عن تسييس الأخلاقيات وتفكيك الكولونيالية في الأبحاث حول العراق 

زهراء علي / 8 تموز 2025

تشارك الكاتبة تساؤلات حول الطريقة التي يُبحث بها العراق من قبل أكاديميين وأكاديميات غربيين، في حين يغيب صوت الباحثين والباحثات العراقيين في الحقول/الميادين التي يفترض أنها من اختصاصهم.. مقال عن الحاجة لأن تكون العدالة جزءاً من البحث، وعن إمكانية تخيّل شكل آخر لإنتاج المعرفة، يبدأ من الداخل، ويمنح الأولوية لمن هم أبناء وبنات المكان..


خلال حضوري أحد المؤتمرات الكبرى حول دراسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة، سمحتُ لنفسي أن أتخيل كيف كان لحقل “الدراسات الأمريكية” أن يبدو لو كانت تكتب وتُدرّس خارج حدودها. ماذا لو أن الإنتاج الأكاديمي الذي يشكل هذا الحقل ويؤطر نقاشاته النظرية، أنتجه باحثون يعيشون في بلدٍ دمّر نظام التعليم العالي لأمريكا، وهدم بنيته التحتية، وتاريخياً دعم قمع النخبة الفكرية فيه! 

تخيّلت مؤتمرات أكاديمية كبرى تُعقد في البلد الذي غزا واحتلّ الولايات المتحدة. ألن يكون من الواضح أنه سيكون ثمة خلل جذري في مجال الدراسات الأمريكية؟ ألن يكون من الضروري التشكيك في الأسس السياسية والمعرفية والأخلاقية التي يقوم عليها هذا المجال؟ ألن يكون من الحتمي مساءلة الظلم البنيوي، والبنى التحتية، والسياسات التي سمحت بصعود طبقة من المثقفين والخبراء الذين يصوغون المجال المعرفي بطريقة تُقصي الباحثين المحليين، أو حتى تتشكل على حسابهم؟ 

نعود للواقع، خلال مؤتمر دراسات الشرق الأوسط نفسه، ناقشت مجموعة من الأكاديميين/ات المهتمين بالكتابة والبحث عن العراق، صعوبة الوصول إلى “الميدان/الحقل” (the field) نتيجة “المشاكل الأمنية المستمرة” في العراق. هؤلاء الأكاديميون، الذين يشغلون مناصب عليا في جامعات مرموقة ويحضرون مؤتمراً مكلفاً في مدينة أميركية كبرى، استمر نقاشهم لفترة عن العراق كموضوع خارجي عابر. لم يرد في حديثهم أي ذكر للتحديات التي يواجهها الأكاديميون/ات العراقيون، ولا الفجوة البنيوية بين من يعملون في العراق ومن يعملون في الولايات المتحدة. هذه المجموعة من الأكاديمين/ات تفترض بأن أبحاثها بطبيعتها “خيرة” و”مفيدة”.  

كثيراً ما ألتقي بأكاديميين حريصين على “الوصول إلى الميدان/الحقل”، وهم غالباً ممن ينتقدون التدخلات العسكرية الأمريكية، بل ويرون أنفسهم مفوضون في مهمة لفضح أهوال الحرب والإمبريالية. بيدَ أن تعاملهم مع العراق يبقى محصوراً في نطاق كونه موضوع بحثي يُكتب عنه ضمن مسارهم وإنتاجهم الأكاديمي ومسارهم المهني في مدينة أمريكية أو أوروبية كبرى. بدءاً من مسيرتهم المهنية، وأسئلتهم البحثية، والنظريات التي يستخدمونها، وليس انتهاءً بالمراجع التي يعتمدونها، كلها تقع خارج العراق، حيث إنهم نادراً ما يقتبسون أو يشيرون إلى الأدبيات الأكاديمية المكتوبة في العراق أو من قبل باحثين عراقيين. فعلاقتهم بهذا البلد كمكان، بحياته اليومية، بشعبه، بأكاديمييه، علاقة نفعية في أصلها. فـ”الميدان/الحقل” والنظريات المستخلصة منه تُستخدم لتطوير أجندة شخصية وتحقيق مكاسب مهنية، لا علاقة لها، أو علاقتها محدودة جداً، بالعراق والعراقيين أجمع. 

ما كان مثار قلق على وجه الخصوص بالنسبة لي، هو أن هؤلاء الباحثين لا يبدو أنهم يشعرون بأي نوع من المحاسبة أو الالتزام اتجاه المؤسسات البحثية أو الأكاديميين في العراق. وحتى لو أجرى هؤلاء الباحثون عملاً ميدانياً في العراق، فوحدهم من يملكون سلطة تحديد طبيعة علاقتهم بـ”الميدان/الحقل”، سواء قرروا البقاء على تواصل مع المشاركين في بحوثهم أو لا. ويمكنهم ببساطة، وفق مزاجهم، الانتقال إلى بلد أو موضوع آخر، ومتى ما أرادوا ذلك. الباحث الذي يعمل في الولايات المتحدة أو أوروبا، يمكنه بكل حرية أن يختار دراسة العراق والكتابة عنه، دون أن يُطلب منه في أي مرحلة من مسيرته المهنية -سواء عند التقديم على منحة أو التعيين في وظيفة أكاديمية- أن يُثبت أن أسئلته البحثية ونتائج بحثه ذات صلة بالأشخاص الذين يُجري أبحاثه عنهم. 

وحتى المجالس المؤسسية لمراجعة الأبحاث (Institutional Review Boards)، والمُكلّفة بالنظر في الجوانب الأخلاقية لحماية الأشخاص المشاركين/ات، لا تطرح أسئلة جوهرية مثل: لمن تعود هذه الأبحاث؟ من يملكها؟ من تخدم؟ ومن سيستفيد منها؟ والتي تطرحها الباحثة ليندا توهيواي سميث في كتابها ”تفكيك الكولونيالية في المنهجيات البحثية”. 

لقد أغنت النقاشات حول العلاقة بين البحث والمكان/الحيّز وموقعية الباحث/ة (positionality) معرفتنا بكيفية إجراء أبحاث أخلاقية. وقد طرحت الباحثات النسويات وباحثو/ات ما بعد الكولونيالية وتفكيك الكولونيالية أسئلة محورية تتعلق بالاقتصاد السياسي والجغرافيا السياسية المرتبطة بإنتاج المعرفة وإجراء البحث العلمي. ولهذه الأسئلة أهمية خاصة في سياق العراق، بسبب الدور الذي لعبته الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون في تفكيك نظام التعليم العالي العراقي عبر الحروب والعقوبات، وكيف مُول الإنتاج المعرفي حول الشرق الأوسط لتبرير التدخلات الإمبريالية. 

إن الفجوات البنيوية القائمة بين الأكاديميين/ات المقيمين/ات في العراق، وأولئك المقيمين/ات في جامعات الشمال العالمي (أميركا وأوروبا)، هي نتاج الكولونيالية وعقود من التدخل العسكري والاستخباراتي. ونتيجة لهذا التاريخ من التدمير والاحتلال والتدخلات العسكرية، لا يمكن أن تنتج “معرفة بريئة” عن العراق. 

أود أن أركّز على هذه القضايا، وعلى الأبعاد المادية والبنيوية والبنى التحتية المرتبطة بالبحث حول العراق اليوم، لكي اكشف عن بعض الشروط الأساسية التي أدّت إلى أن يُبحث العراق ويُنظّر له من خارج حدوده. وتشمل هذه الشروط اللامساواة المنهجية بين الباحثين/ات في جامعات الولايات المتحدة وأوروبا، والباحثين/ات العراقيين العاملين/ات داخل العراق. كما أرغب باقتراح خيال بحثي بديل، يُسيّس أخلاقيات البحث العلمي، ويُعطي الأولوية للعدالة والمساواة بدلاً من أولوية الهوس بإنتاج البحث. 

“العالمي” يعني “اللا مساواة” 

تقدّم أمينة ماما، المفكرة والأكاديمية البريطانية النيجيرية، طرحاً بالغ الأهمية في تأملها حول البحث وإنتاج المعرفة في القارة الإفريقية، ضمن مقالتها الصادرة عام 2007 بعنوان “هل من الأخلاقي أن ندرس إفريقيا؟”، تقول فيه: “في سياق يتسم باللامساواة العالمية والمنهجية العميقة، يبدو من العدل أن نتساءل عمّا إذا كان دراسة إفريقيا هي فعلاً أمر أخلاقي، وأن نُفكّر ونأخذ بعين الاعتبار، تأثير هوياتنا، مواقعنا، وانتماءاتنا المؤسسية، وزد على ذلك القيود والخيارات المعرفية والمنهجية التي توجه هذه الدراسات. علينا أن نسأل، ما الذي تُقدّمه أبحاثنا ونتاجنا المعرفي للسياقات والشعوب التي ندرسها؟ كيف تؤثر أنشطتنا البحثية على أولئك الذين ندرسهم؟ 
وهل يمكننا أن نطوّر دراسة إفريقيا بطريقة تُظهر احتراماً أكبر لحياة ونضالات الشعوب الإفريقية ولأجنداتهم، بحيث تساهم هذه الدراسات لصالح إفريقيا؟” 

لا يقتصر نقد أمينة ماما على بنى السلطة التي تُشكّل العمود الفقري للأكاديميات العالمية، بل تشير أيضاً إلى العلاقة بين الباحثين/ات، ومساراتهم/ن المهنية، واختياراتهم/ن الأكاديمية، والاقتصاد السياسي لإنتاج المعرفة على المستوى العالمي. وكما بيّنت الدراسات النسوية النقدية، فالمسألة لا تتعلق فقط بالمعرفة التي تُنتج، إنما أيضاً بمن يُنتجها، ووفق أي أجندة تُجرى الأبحاث. 

تُظهر ماما أن ما يُتهم غالباً بأنه “سياسات الهوية”1 (identity politics) هو في الحقيقة قضية سياسية واقتصادية وبنيوية. حين نبحث ونكتب، ما مدى مشاركتنا في آلة الأكاديمية الرأسمالية المعاصرة؟ ما تبعات هوسنا بـ”تقديم مساهمة قوية” في المجال؟ وفق ما تتساءل رَباب المهدي في أبحاثها حول علم السياسة في الشرق الأوسط. كما تدعونا أمينة ماما إلى التفكير في تأثير البحث على أولئك الذين يُجرى عليهم/ن البحث. 

لعبت الإدارة الأمريكية وحلفاؤها دوراً مهماً في تدمير نظام التعليم العراقي، بما في ذلك الجامعات ومؤسسات البحث، من خلال فرض العقوبات الدولية التي قوّضت بنى الدولة والبنية التحتية. كما أدّت تدخلاتها العسكرية المتعددة منذ التسعينيات، وخاصة الغزو الذي قادته عام 2003 والاحتلال الذي أعقبه للعراق، إلى تفكيك الجامعات الحكومية العراقية. وبالعودة إلى ستينيات القرن العشرين، دعمت الولايات المتحدة بشكل فعّال قمع القوى الديمقراطية التي كانت تعارض الديكتاتورية في العراق، بما في ذلك المفكرون/ات والأكاديميون/ات الذين كان لهم دور مركزي في الحياة الثقافية والفكرية العراقية. وكانت إحدى نتائج الحرب الطائفية التي أعقبت الاحتلال الأمريكي، استهداف الأكاديميين/ات والمثقفين/ات العراقيين/ات من قبل الجماعات المسلحة بين اغتيال وتهديد ونفي قسري. 

وعليه، فإن آليات الهيمنة الأكاديمية الأمريكية لا تزال تهيمن على تحديد ما الذي يُبحث فيه ويُنظّر له عن العراق، وما الذي يُعتبر معرفة “مقبولة” أو العكس، في الوقت الذي تُقوَّض فيه مصداقية الإنتاج المعرفي العراقي ومدى إتاحة الوصول إليه. من جهة أخرى، فإن الولايات المتحدة قد دمّرت إمكانية وجود حياة أكاديمية مزدهرة في العراق، مادياً من خلال التسبب في انهيار مؤسسات الدولة وجرّ البلاد إلى دوامات من العنف المسلح، وفكرياً عبر ترسيخ سياق يجعل من الاستقلالية الفكرية أمراً يستحيل أن يطبق على ارض الواقع. وقد شنت القوى السياسية التي أوصلها الغزو الأمريكي إلى السلطة هجمات ممنهجة على الجامعات الحكومية العراقية، بحرمانها من أي دعم، والعمل في الوقت ذاته على خصخصة نظام التعليم العراقي. 

كما أسست هذه القوى السياسية لآليات قانونية تحدّ من حرية التعبير باسم “الحرب على الإرهاب”. وكما جاء في “بيان من أجل حرية التعبير” الصادر في الثالث من حزيران 2022، والموقع من مئات المثقفين والصحفيين والقضاة والنشطاء، فإن المنظومة السياسية العراقية الناشئة عقب 2003 قد صعّدت من قمعها لأي شكل من أشكال المعارضة السياسية، إذ أُعيد تفعيل النهج القمعي لقانون نظام البعث الذي يجرّم حرية التعبير. ففي عامي 2022 و2023، أعادت الحكومة تقديم مشروعي قانون حرية التعبير والتجمع السلمي، وقانون الجرائم الإلكترونية، اللذين يفرضان عقوبات صارمة على الأنشطة التي يمارسها الأفراد عبر الإنترنت. 

وفي كانون الثاني 2023، أطلقت وزارة الداخلية حملة “مكافحة المحتوى الهابط”، مُعلنة تشكيل لجنة مختصة لرصد المحتوى “المسيء للذوق العام” على مواقع التواصل الاجتماعي. كما أطلقت الوزارة منصة إلكترونية باسم ”بلّغ” لتلقي شكاوى المواطنين حول هذا النوع من المحتوى. 

وبحلول شباط من العام نفسه، صدرت أوامر قبض بحق عدد من صانعي المحتوى، استناداً إلى المادة 403 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، التي تُجرّم نشر مواد تُعدّ “مخلة بالحياء أو الآداب العامة”. 

كما سنّت قوانين وتشريعات جديدة تتيح للدولة قمع المعارضة السياسية، من بينها تعديل قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي، وهو قانون رقم 8 لعام 1988، وقد تم تعديله عام 2024. 

ونتيجة لكل ما سبق من تضييق، يواجه الأكاديميون/ات العراقيون/ات اليوم تحديات بنيوية، إلى جانب بنى تحتية وسياسية تُقيد بشدة قدرتهم على إجراء بحوث أو إنتاج معرفة علمية رصينة. 

هذه الأبحاث، لمن توجّه أجندتها؟ 

بكوني عالمة اجتماع من أصول عراقية، أعيش في الولايات المتحدة وأجري أبحاثاً حول العراق وداخله، فكثيراً، ما يتواصل معي باحثون وطلبة دراسات عليا يطلبون مساعدتي في الوصول إلى “الميدان/الحقل”، بل وحتى أثناء تقدّمي لوظيفة، أتذكر أن أحد أصحاب القرار في مركز أبحاث معني بدراسات الشرق الأوسط قال لي إن توظيفي سيكون مفيداً للطلبة الراغبين في “الوصول إلى الميدان/الحقل”. لأوضح أكثر، أَشعر احياناً أنه ينظر الي كـ”مُخبرة محلية” أو كشخص يمتلك “علاقات داخلية”، وإن صلتي بـ”الميدان/الحقل” تُعامل وكأنها عملة في عملية تبادل أكاديمي، وأنا أرفض هذا الدور. 

حين يتواصل معي طلبة أبحاث في مشاريع عن العراق، أطلب منهم أن يتأملوا في موقعيتهم (positionality) أي موقعه داخل علاقات القوة الاجتماعية والسياسية والثقافية وفي الأسباب الكامنة وراء اهتمامهم بالموضوع. 
أسألهم: هل تشعرون أنكم الأشخاص الأنسب للقيام بهذا البحث؟ كيف يمكن لهذا البحث أن يعود بالنفع على الناس الذين ستقضون وقتاً معهم؟ 

هذا لا يعني أنني أعتقد أنه لا ينبغي للباحثين/ات المقيمين/ات في أميركا أو أوروبا دراسة العراق، بل أنني لا أريد أن أكون وسيطة لأجندة لا تبدأ بأسئلة أخلاقية حول اللامساواة البنيوية بين الباحثين/ات الذين لديهم/ن امتيازات وموارد، وبين “الميدان/الحقل”، الذي يعمل فيه أكاديميون/ات بموارد أقل، وبظروف مختلفة، بما في ذلك كونهم/ن جزءاً من مجتمع تضرر بشدة من السياسات التي انتهجتها حكومات ودول تتحمل إلى حد بعيد مسؤولية هذه التفاوت في اللامساواة. 

المشكلة عميقة وجذرها بنيوي وهيكلي، لكن الأفراد جزء لا يتجزأ من هذه البنى والأنظمة. سأروي مثالاً لا أنساه: بعد مؤتمر عُقد في جامعة مرموقة على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، اقترب مني طالب ماجستير قضى وقتاً طويلاً في جنوب العراق. تحدّث بحماس عن التجربة الرائعة التي عاشها هناك، وعن الكرم الكبير الذي لقيه من “أناس متدينين” فتحوا له بيوتهم واستضافوه بحرارة. كان يخطط لإجراء بحث إثنوغرافي2 عن الهويّات الدينية في العراق. فسألته، “ما الذي قادك إلى جنوب العراق في المقام الأول؟” فأجاب ببساطة، “كنت أعمل مع شركة نفط”. 

بغض النظر عن نواياه أو قناعاته السياسية، فقد كان هذا الطالب يتمتع بامتياز واضح ضمن منظومة الاقتصاد السياسي لإنتاج المعرفة، منظومة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد العالمي، حيث يُعامل العراق كمجرد “حقل” (field)، تُستخرج منه الموارد، سواء كانت نفطاً أو بيانات بحثية. فكّرت حينها في حرية هذا الطالب في الدخول والخروج كما يشاء دون أن يُطالب بشيء، بينما العائلات التي استقبلته بكرم بالغ لن تتاح لها يوماً فرصة الحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة. 

حتى عندما يتعلّق الأمر بإنتاج المعرفة حول الحركات الشعبية وحركات القواعد الاجتماعية، مثل الانتفاضات الأخيرة في العراق والمنطقة، نلاحظ أن الغالبية العظمى من المقالات تُكتب باللغة الإنجليزية ومن خارج العالم العربي، غالباً على يد خبراء/خبيرات السياسة الخارجية الأمريكية المنتمين إلى جامعات نخبوية. هؤلاء لا يستشهدون بالباحثين/ات المحليين/ات إلا إذا استخدموهم/ن كمصادر معلومات محلية. هم يتفاعلون أساساً مع أطروحات بعضهم البعض، وغالبيتهم من علماء السياسة، الذين يكتبون لصالح مراكز أبحاث (Think Tanks) تهدف بشكل رئيسي إلى فهم كلفة وفوائد السياسات الأمريكية الخارجية في المنطقة. معظم هؤلاء الكتّاب والمصادر التي يستندون إليها هم رجال بيض أمريكيون أو باحثون يعملون في الولايات المتحدة، يتركّز اهتمامهم عادةً على قضايا مثل “التحول الديمقراطي”، “تغيير الأنظمة”، و”الإسلام/الإسلاموية”. 

قد يجادل البعض إنه من الطبيعي أن يكون الأكاديميون/ات المقيمون/ات في الولايات المتحدة متمركزين حول أمريكا، وأن تكون أسئلتهم البحثية -أو كما يسمّيها ديفيد سكوت، الكاتب والمفكر والباحث في مجال الانثروبولوجيا “حيّز المشكلة” (problem-space) مختلفة عن الإطار النظري للباحثين/ات العراقيين/ات المقيمين/ات في العراق. وقد يكون هذا مقبولاً لو كانت المعرفة المنتَجة في العراق تتطوّر بشكل مستقل وعلى قدم المساواة مع تلك المنتجة في الولايات المتحدة. 

لكن الواقع هو أن الأكاديمية العالمية، أو إنتاج المعرفة العالمي، يُختَزل غالباً بالمعرفة المنشورة باللغة الإنكليزية وفي مجلات أكاديمية مقرّها الولايات المتحدة وأوروبا، وهي التي تُعرّف الفهم/المعايير السائد/ة لما ينبغي أن يكون عليه معنى البحث الأكاديمي. ولكي يحظى الأكاديميون/ات في العراق بأي حضور أو أهمية أو صلة، يُتوقّع منهم أن ينخرطوا/ن في أسئلة بحثية طُوّرت في أمريكا وأوروبا. 

الفكرة هنا ليست رفض أو شيطنة البحث القادم من الولايات المتحدة بحد ذاته، بل الاعتراف بأن أجندات البحث والنظريات التي تنبثق عنها مضمّنة داخل عالم تحكمه لا مساواة عميقة؛ وفي هذه الحالة، عنف مباشر. والمشكلة هي أن هناك أفراداً ومؤسسات يستفيدون بشكل منهجي من هذه اللامساواة. كما أن الطرق التي يُدّرس بها “الميدان/الحقل العراقي” في أماكن مثل الولايات المتحدة وأوروبا، تعيد إنتاج هذا التفاوت البنيوي بدلاً من أن تتحدّاه. 

تخيّل آفاق بديلة للبحث العلمي 

إن تخيّل آفاقاً بديلة للبحث يبدأ من التشكيك في انفصال ابحاث العلوم الاجتماعية عن سياقاتها، وفي التفاوت بين أجندات البحث والمجتمعات التي تُجرى عليها الأبحاث، وفي فرض أجندة تخدم مصالح وأرباحاً قائمة على إعادة إنتاج أنظمة من اللامساواة والعنف. 

وبصفتي باحثة اجتماعية نسوية شابة من أصول عراقية، نشأت في فرنسا وأعمل الآن في جامعة أمريكية، فأنا مدركة تماماً للطابع العابر للحدود في البحث وإنتاج المعرفة. وبحديثي هذا لا أدعو لإنشاء “حدود أكاديمية”، ولا حتى أؤمن بوجود موقعية مثالية أو معرفة “أصيلة”، خالصة. بل أن ما أدعو إليه هو الاعتراف بالأبعاد البنيوية للشروط التي تُمكّن البحث من الوجود والانتقال. 

أودّ أن أرى أبحاثي، وأبحاث غيري، تعود بالنفع على من يُجرى عليهم/نّ البحث. وأتمنّى أن يكون لمن يجرى عليهم/نّ البحث القدرة على وضع أجنداتهم/نّ البحثية الخاصة، وأن تتوفر لهم/نّ الشروط المادية والاجتماعية والسياسية التي تمكنهم/نّ من تحديد أي الأسئلة تستحق الطرح وأيها لا. 

دعونا نتخيّل أن مؤسسات البحث في العراق تمتلك الموارد الكافية لتطوير أجندة أكاديمية مستقلة. 
ليتحقق هذا، علينا أن نتخيّل أن نظام التعليم العالي في العراق قوي ورصين، وأن هناك حرية أكاديمية وحرية تعبير حقيقية، وأن النظام السياسي الذي فرضته الولايات الامريكية بعد الغزو والاحتلال الأمريكي عام 2003 لم يزجّ البلاد في دوامات من العنف والعسكرة، تجعل كل من ينتقد الأحزاب السياسية والجماعات المسلحة في خطر. 

فلنتخيّل أن حياة العراقيين/ات اليومية ليست مشروطة بالعنف، وأن المجمّع العسكري -النفطي- الرأسمالي المدعوم من الإمبريالية الأمريكية قد انتهى. وأن العراقيين/ات يعيشون في بلد سيّادي مستقل، ببنى تحتية عامة قوية وخدمات فعالة. 

حينها فقط، سيكون بمقدور الباحثين/ات والطلبة العراقيين/ات نشر أوراق بحثية تُقرأ على نطاق واسع وتترك أثراً حقيقياً في الأكاديمية العالمية، لأن أعمالهم/ن ستحظى بذات الأهمية والثقل الذي تحظى به الأبحاث المنشورة في المجلات الأكاديمية البريطانية أو الأمريكية. ولتحقيق ذلك، نحن بحاجة إلى إعادة تخيّل جذرية لحال الأكاديمية العالمية كما نعرفها اليوم، وأن نسأل هل يمكن أن يأتي يوم يكون فيه معيار قيمة البحث هو فائدته المباشرة لمن يتم دراستهم/ن، وأن يكون قد تحرر من الأجندات المبنية على الربح والهيمنة السياسية الكولونيالية؟ 

نحن بحاجة إلى تسييس أخلاقيات البحث العلمي. كما تؤكد إيف توك وكي، الباحثة من شعب آلاسكا الأصليين، وين يانغ الأستاذ الجامعي والباحث، بقولهما “دحر الكولونيالية ليست مجرد استعارة”، بل هو عمل فعلي يتطلب أن نتساءل عن العالم الذي نعيش فيه وأن نتحداه. 

حالياً وبينما نواصل العمل على تفكيك الشروط البنيوية التي تحكم البحث عن العراق والمنطقة العربية الأوسع، هناك تغييرات ملموسة يمكن للباحثين/ات المهتمين/ات بالعراق أن يبدأوا بتتبعها، والتي تتجاوز مجرد التأمل في أخلاقيات البحث. 

إحدى التوصيات العملية تتمثّل في توجيه الموارد نحو دعم المؤسسات البحثية والباحثين في العراق، بحيث تنبثق من هناك أجندة بحثية أصيلة ومستقلة. 

الأمر لا يتعلق فقط بجعل دراسات العراق في الجامعات الأمريكية “أكثر تنوعاً” من خلال إشراك المزيد من الأكاديميين/ات العراقيين/ات في المؤتمرات والمنشورات الأمريكية. بل ينبغي أن يُعاد توطين البحث الأكاديمي الأمريكي لا فقط في سياقه، بل أن يُعترَف به على حقيقته: بحث نابع من قوّة إمبريالية عالمية لعبت دوراً محورياً في تفكيك إمكانية البحث الأكاديمي الجاد والرصين في العراق. 

قد يعني هذا أيضاً إعادة التفكير في كيفية تعريف “البحث”، وما الذي يُعتبَر على أنه نظري وما يُعتبَر غير ذلك، لذا علينا أن نكسر هيمنة شكل معيّن من المعرفة الأكاديمية، شكل يُعلي من نمط كتابة معيّن مرتبط بـ”عقلانية” معينة، والتي-كما يشير العديد من المنظرين الاجتماعيين-مرتبطة بدورها بموقعية طبقية محددة. 

غالباً ما تُنتقد الكتابات القادمة من الشرق الأوسط على أساس افتقارها إلى “أطر نظرية”، ويُلام الأكاديميون/ات في جامعات المنطقة على إعادة إنتاج هيمنة النظريات الغربية. ويُلام الكتّاب/الكاتبات بالعربية أحياناً على اعتمادهم/ن على مصادر إعلامية، وشهادات مباشرة، ومقابلات شخصية، بدلاً من الكتب والمقالات الأكاديمية. 

لكن يجب الاعتراف بأن الكتابات العربية في المنطقة تميل إلى إعطاء الأولوية للعدالة الاجتماعية على الجغرافية السياسية والقضايا الاستراتيجية وهي، في الواقع، الهموم الأساسية لكثير من الباحثين الأميركيين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فبدلاً من اعتبار هذه الكتابات “أقل أكاديمية”، لمَ لا نُعيد تعريف كل من شكل ومحتوى الكتابة الأكاديمية؟ 

ختاماً، الباحثون/ات في العراق يعيشون الوقائع التي يقوم الباحثون/ات الأمريكيون بالتنظير لها. 
يجب أن تُنتج روابطهم/ن العاطفية والشخصية والمادية، وانخراطهم/ن المباشر في السياقات التي يكتبون عنها، أسئلة بحثية مختلفة، وأجندات أكاديمية بديلة، وهنا سندرك أن لدينا الكثير لنتعلّمه منها. 

بالشراكة مع أكاديميين/ات وناشطين/ات مقيمين/ات في العراق، أشارك حالياِ في مبادرة “دراسات العراق النقدية”، التي تهدف إلى توجيه الموارد والتمويل نحو الباحثين/ات والمؤسسات البحثية العراقية، ودعم تطوير أجندة بحثية مستقلة. وعوضاً عن إنتاج أبحاث ”عن العراق”، تسعى هذه المبادرة إلى دعم التنظير في العراق ومنه، وإلى بناء مشروع معرفي يخدم الناس داخل العراق، ويُسهم في تعزيز التفكير النقدي، والعدالة الاجتماعية والسلام. كما أؤكّد أن اتخاذ العراق كإطار معرفي، والتمركز حول الذوات والتجارب الحية للباحثين/ات العراقيين/ات، أمرٌ جوهري، لا مفر منه، لأجل تفكيك أنظمة القوة/المعرفة التي تُشكّل الأكاديمية العالمية اليوم. 

* نُشرت هذه المقالة بالأصل باللغة الانجليزية في مجلة الدراسات المقارنة لجنوب آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط – 2024. نقلتها إلى العربية ماريا طلال.