العراق وأميركا.. علاقة بلدين “مكبّلة” بالشكوك والهواجس وعدم الثقة 

كرار أنور البديري / 7 آب 2025

المشكلة الرئيسة والمؤثر الأكبر في علاقات بغداد وواشنطن هي طهران، رغم تغير الإدارات الأمريكية، ومشكلة علاقات أمريكا بالعراق هي إيران أيضاً.. عن علاقة بلدين "مكبّلة" بالشكوك والهواجس وعدم الثقة


العلاقة بين العراق والولايات المتحدة هي واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً، إذ ظلت تتأرجح بين التصعيد والتهدئة، وبين التعاون والتوجس، بسبب إرث الاحتلال والتحديات الأمنية والسياسية التي رافقت مرحلة ما بعد 2003.  

ورغم مرور أكثر من عقدين على إسقاط نظام صدام حسين عبر الغزو العسكري، إلّا أن هذه العلاقة ما تزال في جوهرها تواجه الكثير من العقبات والمعوقات، وهي عرضة للاهتزازات الداخلية والخارجية، وهي علاقة أحادية البُعد، ولا يمكن أن تكون طبيعية ومتوازنة ما لم تنتهِ موروثاتها، وتتوازن الأولويات بين البلدين، ويُعادُ تعريفها من قِبَل الطرفين.   

أولاً: الموروثات العراقية في العلاقة مع واشنطن 

التوترات والانقسامات بين الدول ظاهرة طبيعية، سياسيةً كانت أم اقتصادية أم أمنية، غير أن الانقسام الداخلي العراقي في سياق العلاقات العراقية الأمريكية مردّه إلى التاريخ، والنشأة غير الطبيعية لهذه العلاقات، وموروثات اللحظات الفارقة الثلاث التي مرت بها تلك العلاقة، والتي لاتزال تؤثر على طبيعة التفاعل العراقي مع واشنطن. 

  1. لحظة 2003: الانقسام بين المحرر والمحتل 

منذ غزو الولايات المتحدة العراق، وإسقاطها نظامَ صدام عام 2003، انقسم العراقيون بشأنها، منهم من عدّها دولة احتلال تسعى للسيطرة على العراق ونهب مقدراته، ومنهم من كان يراها محرراً سيقود العراق إلى التطور والبناء والرخاء. وبينما كانت القوى السياسية الشيعية تراها محررة، كانت أغلب القوى السنية وبعض من التيارات الشيعية تراها احتلالاً يجب إخراجه بالقوة، وفي ظل هذا المشهد تكونت العلاقة بين البلدين، ونشأت في ظروف غامضة ومضطربة وليست طبيعية، مما جعلها علاقات ضرورة وليست اختيار

ما تزال هذه اللحظة تسهم في تعزيز الانقسام بشأن العلاقة مع واشنطن، وإن كانت اليوم بشكل معاكس بين القوى السياسية. ويبدو أن صورة الولايات المتحدة في العراق، حتى مع تغير الكثير من الإدارات، تؤطرها موروثات الاحتلال، فقد انطبعت لحظة 2003 في إدراك الكثير من العراقيين، ولم يتحرر أغلبُهم من تلك الصورة، ولاسيما أن أمريكا تصرفت أيضاً مع العراق على أنها قوة احتلال بإملاء سياستها حتى بعد انسحاب قواتها عام 2011. فرغم مرور أكثر من 22 عاماً على تلك اللحظة، لايزال الإجماع الداخلي على تعريفها غائباً. 

  1. لحظة 2014: اختبار العلاقة الأمنية مع واشنطن والانقسام بين الضامن والمتخلي 

مثّلت لحظة سقوط الموصل في حزيران 2014 جرحاً عراقياً كبيراً، وكانت من أسوأ ما عاشه العراقيون في علاقتهم مع الولايات المتحدة على المستوى الشعبي والسياسي، فقد عزّزت الانقسام الداخلي السياسي الأكبر مع الولايات المتحدة. فمع أول اختبار للعلاقة الجديدة، ظهر التردد وعدم الالتزام الأمريكي بأمن وحماية العراق من المخاطر الإرهابية التي امتدت إلى أعتاب العاصمة بغداد آنذاك. كما كان الاعتقاد السائد في بعض أروقة القرار في واشنطن أن ما يحدث في العراق هو حرب أهلية نتيجة الانقسامات الطائفية، فقد دعا آنذاك السناتور الجمهوري راند بول في مقال له الولايات المتحدة إلى “الالتزام بالحياد في حرب العراق الأهلية”، مشيراً إلى أن “الحكومة في بغداد ليست صديقة لأمريكا، وأن أيّ إجراء ضد داعش لا يخدم المصالح الأمريكية”. ورغم أن الولايات المتحدة تدخلت في النهاية لمساعدة العراق تدريجياً، ولكن شرط حدوث انتقال سياسي لا يشمل صعود نوري المالكي الى سدة السلطة لولاية ثالثة. 

دفعت هذه المتغيرات وغيرها إلى التشكيك السياسي العراقي في الأوساط الشيعية بمصداقية الولايات المتحدة ودورها في العراق، وأسرعت إيران، التي لم تتردد في تقديم المساعدة الأمنية إلى العراق، إلى استثمار هذه اللحظة لإضعاف جدوى العلاقة مع واشنطن، لتبرز بوصفها ضامناً أمنياً موثوقاً للعراق قبالة واشنطن وشروطها وإملاءاتها السياسية.  

  1. لحظة 2020: الانقسام بين محرِّر من داعش ومحتل ما بعد داعش 

ولَّدت مرحلة ما بعد النصر على تنظيم داعش انقساماً جديداً في العلاقة مع الولايات المتحدة. فقد حملت هذه المرحلة للعراق والولايات المتحدة إرثين متوازيين ومتناقضين: أولهما يتمثل في التحالف الدولي الذي كان من المفترض أن مهمته انتهت بعد القضاء على داعش، وثانيهما يتمثل في صعود الفصائل المسلحة التي بقيت بمهمة مستمرة تحت إطار الحشد الشعبي، وهنا أخذ النقاش يشتدّ حول الحاجة لبقاء القوات الأمريكية في العراق، وتصنيفها قوة احتلال أم ضامناً أمنياً، تزامن ذلك مع صعود الفصائل إلى المشهد السياسي في الانتخابات البرلمانية عام 2018، وتبنيها خطاباً عدائياً متصاعداً تجاه واشنطن، تمحور حول مطلب رئيس: “سحب قوات التحالف الدولي من العراق وإنهاء الاحتلال الأمريكي”. ومع تزايد تعقيدات المشهد وتصاعد المواجهات، بات الحشد الشعبي والفصائل المسلحة جزءاً من معضلة أمنية معقدة تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة وإيران، وصولاً إلى استهداف الولايات المتحدة نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبا مهدي المهندس، والجنرال الإيراني قاسم سليماني على الأراضي العراقية. 

يمكن القول إن لحظة 2020 شكّلت نقطة التحول الحاسمة التي صدّعت أسس العلاقات العراقية الأمريكية ودفعتها نحو الهامش، لاسيما مع قرار البرلمان العراقي غير الملزم في مطلع العام 2020 بسحب كامل قوات التحالف الدولي، وعلى رأسها القوات الأمريكية بوصفها قوة احتلال، ليتعمق الشرخ ويفتح باباً أوسع للتوتر وعدم الثقة بين الطرفين.   

ثانيا: الموروثات الأمريكية في العلاقة مع بغداد  

على خلاف العراق الذي يحظى التفاعل بينه وبين واشنطن باهتمام شعبي ونخبوي، لا يوجد اهتمام شعبي أمريكي بالعلاقة مع بغداد، فجُلّ اهتمامات الفرد الأمريكي هو العامل الاقتصادي، حتى أن جيل الشباب الأمريكي، جيل زي (Generation Z) أو جيل الإنترنت الصاعد، لا يتذكر متى غزى بلدُه العراق، ولكن على الجانب الآخر ما يزال الكثير من السياسيين وبعض النخب يُلقون باللوم على حرب العراق وتكبد الولايات المتحدة خسائر اقتصادية وبشرية فادحة. ومعظم هؤلاء يرون العراق من منظور هذه الخسارة، وعلى رأسهم الرئيس دونالد ترامب وأنصاره الجمهوريون من حركة “ماغا“. 

ومع ذلك الإرث، يتأثر الجمهوريون (والديمقراطيون بدرجة أقل حدة) تأثراً كبيراً في علاقتهم مع العراق بإيران ونفوذها فيه. ويمتد هذا المتغير إلى دور الفصائل المسلحة في العراق، وتاريخ التوترات والمواجهات بينها وبين القوات الأمريكية، واتهام واشنطن لإيران بالسيطرة على تحركاتها لاستهداف المصالح والقوات الأمريكية في العراق والمنطقة. 

في النظرة الأمريكية للعراق، تؤدي إيران دور العنصر الأكثر تأثيراً في تشكيل هذه النظرة، ويمتد تأثيرها إلى سياسة واشنطن الخاصة والعامة، وتحدد طبيعة العلاقة المانوية بين الطرفين، التي تعني إما معي أو ضدي، الأمر الذي يُبرزه الجمهوريون، أنصار وداعمو سياسة الضغط الأقصى تجاه إيران في الكونغرس والإدارة، والذين يرون أنه يجب استغلال العراق وتوظيفه ضد إيران لتضييق الخناق عليها في ظل الصراع الأيديولوجي بين واشنطن وطهران، فهم يتعاملون مع العراق بوصفه بيدقاً في استراتيجية التصعيد والمواجهة والتضييق مع إيران، ولعل أبرز الجمهوريين المتطرفين في هذا الاتجاه وأكثرهم معرفة لدى العراقيين بسخرية هو السيناتور الجمهوري جوي ويسلون، الذي ينظر إلى العراق من منظور إيران في المنطقة، وهو ما جسّده في مقترح مشروع قانون قدّمه تحت عنوان “تحرير العراق من إيران” وغيرها من الرسائل والمقترحات ذات الصلة بالعراق وعلاقته مع إيران. 

رغم عدم تأثير ويلسون في أروقة القرار الأمريكي بقدر ثقله وتأثيره لدى الشارع العراقي، إلّا أنه يعبّر عن نظرة بعض الجمهوريين القاصرة والمعقدة تجاه العراق. وعليه يدفع الجمهوريون المهتمون بشؤون الشرق الأوسط إلى التعامل مع العراق تعاملاً سلبياً، للحيلولة دون تعزيز النفوذ الإيراني، غير أن إدارة ترامب رغم تأثرها بإيران في سياستها تجاه العراق فإنها أقل حدة بكثير مما يطرحه بعض الجمهوريين في الكونغرس. 

ثالثا: واقع العلاقات العراقية الأمريكية في ظل رئاسة ترامب الثانية 

شكّلت عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض تحدياً عالمياً بسبب توجّهاته القومية والتجارية والإقصائية في السياسة الخارجية، وانسحب هذا التحدي خصوصاً على بغداد، بالنظر إلى ما شهدته العلاقات من توترات أمنية وسياسية خلال رئاسة ترامب الأولى إثر اغتيال المهندس وسليماني في بغداد، فطُرِحت التساؤلات حول مستقبل العلاقات وطبيعتها بين الجانبين في ظل فوز ترامب بالرئاسة الثانية، لاسيما وأن علاقات بغداد مع إدارة جو بايدن شهدت تحسناً نسبياً مقارنة برئاسة ترامب الأولى. 

وإدراكا لأهمية العلاقات العراقية الأمريكية، وللحفاظ على المكتسبات العراقية في العلاقة مع واشنطن التي تحقق الكثير منها في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، استثمر رئيس الوزراء محمد شياع السوداني ثقل الجالية العراقية في الولايات المتحدة، وانتخابها للرئيس ترامب، ولاسيما في ولاية ميشيغان التي كانت ولايةً متأرجحة، وأجرى اتصالاً هاتفياً يوم 8 تشرين الثاني 2024 مع الرئيس ترامب عبّر فيه عن التهنئة بفوزه في الانتخابات، وأعرب فيه عن التزام العراق الثابت بتعزيز العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة على أسس من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، والرغبة بالمضي بالشراكة الكاملة، وتطلعه لتعميق التعاون بين البلدين بطرق تتجاوز الجانب الأمني، وصولاً لتعزيز التعاون الوثيق في مجالات متعددة. وكان السوداني ثانيَ زعيمٍ عربي يهنئ ترامب بالفوز قبل تنصيبه الرسمي في 20 كانون الثاني 2025. ورغم هذه اللمحات التي توحي بالتقدّم، يبدو أن تطلعات ترامب تختلف عن تطلعات حكومة السوداني حول طبيعة العلاقة بين البلدين؛ للسبب القديم ذاته: إيران. 

أعادت إدارة ترامب التأكيد على تبنيها سياسة الضغط الأقصى ضد طهران، وأنهت الاعفاءات الممنوحة للعراق من أجل شراء الطاقة من إيران. أمام هذه الحالة، عند النظر إلى أهداف ترامب وتحليل أولوياته تجاه العراق، يتضح أن اهتمامه لا ينطلق من رؤية خاصة بالعراق بحد ذاته، بل من موقعه في الصراع مع إيران، إذ تتمحور الأهداف الأمريكية، كما يراها ترامب، حول إظهار استقلالية العراق عن إيران، خصوصاً في مجال الطاقة، والمضي بالربط الكهربائي مع دول الخليج، وعدم استهداف القوات الأمريكية في العراق، ومنع إيران من التهرب من العقوبات الامريكية عبر العراق، والالتزام بعلاقات اقتصادية مما يهيئ الأرضية لعلاقات جيدة، غير أن إقامة هذه العلاقات الاقتصادية أيضاً مرهون بالرؤية الأمريكية بالحدّ من النفوذ الإيراني والفصائل المسلحة.  

  تُبيّن تلك الأهداف أنها ليست نابعة من رؤية استراتيجية مباشرة تجاه العراق بوصفها دولة وشريكاً مستقلاً. وهو ما يفيد أن جُلّ التعاون الأمريكي العراقي المفترض، من وجهة نظر واشنطن، هو أن يكون هناك تعاون عراقي أكبر ضد ايران، لاسيما وأن ذاكرة ترامب سيئة في هذا المجال، وربما تقتصر على حكومة عادل عبد المهدي التي تجاهلت العقوبات الأمريكية إزاء ايران وتحدّت سياسة الضغط الأقصى حينما أعلنت “أن العراق ليس جزءاً من منظومة العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران”. 

بالمقابل نجد أن أولويات حكومة السوداني مختلفة تجاه الإدارة الأمريكية الجديدة، وتتمحور حول تعميق العلاقة من خلال التزام واشنطن بإنهاء مهام التحالف في العراق بحلول أيلول 2025، على أن ينتقلوا إلى شراكات أمنية ثنائية، بالإضافة إلى تفهُّمِ واشنطن لدبلوماسية العراق المتوازنة، والابتعاد عن سياسة المحاور في العلاقات الخارجية، وعدم إعطاء أولوية لعلاقاتها مع إيران على حساب علاقاتها الخارجية الأخرى، وتعزيز التعاون الثنائي والتواصل والتنسيق في المجالات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية والمناخية والتعليمية، وعدم اقتصار العلاقة على البعد الأمني، فضلاً عن تعزيز الدعم والاستثمار لخطط التنمية والبنية التحتية، بما في ذلك الاستثمار في مجال الطاقة ناهيك عن معالجة التوترات التي قد تنشأ بين البلدين وفق مبدأ الحوار والتفاوض، لاسيما تلك المرتبطة بوجود التحالف الدولي في العراق، وسلوك الفصائل العراقية المسلحة. 

بالنظر الى ذلك، يمكن ملاحظة أن العلاقة بين البلدين هي تطلع من طرف واحد نحو تعميقها، بينما يسعى العراق نحو علاقات طبيعية مع إدارة ترامب مع سعي نحو تعزيز الشراكات الاقتصادية وليس الأمنية فحسب، فإن إدارة ترامب تتطلع، بالمقابل، إلى علاقات محدودة وليست بالمستوى الذي يطمح إليه العراق، وتقتصر على الملف الإيراني فسحب، الأمر الذي من شأنه أن يقوض دبلوماسية التوازن الذي تنتهجه حكومة السوداني.  

ولعل الرسالة التي وجهها الرئيس ترامب إلى حكومة السوداني بتاريخ 9 تموز 2025، والتي أعرب فيها عن رغبة الإدارة الأمريكية في فرض زيادة بنسبة 30 بالمئة على التعريفات الجمركية على العراق، ودعوة الشركات العراقية للاستثمار في الولايات المتحدة، وفتح المجال أمام الشركات الأمريكية للعمل في العراق، قد تحمل في ظاهرها فرصة اقتصادية يمكن البناء عليها لتوسيع القاعدة الاستراتيجية للتعاون الاقتصادي بين البلدين، وفتح مسار جاد لمراجعة العلاقات الاقتصادية وتطويرها بالطريقة التي ترجوها بغداد. 

ومع ذلك، فإن توقيت الرسالة ومضمونها يكشفان عن خلل واضح في التنسيق السياسي والتخبط المؤسساتي داخل الإدارة الأمريكية، سواء بسبب عدم إطلاع الرئيس ترامب على الخطوات التي اتخذها العراق بشأن الزيادة الأمريكية للتعريفات الجمركية، أو بسبب القصور في نقل الصورة الدقيقة من جانب البيروقراطية في البيت الأبيض أو وزارة الخارجية. فقد جاءت الرسالة متأخرة، وتعكس فهماً محدوداً بالواقع العراقي، خاصة وأن حجم الصادرات العراقية إلى الولايات المتحدة لا يزال هامشياً، وأن حكومة السوداني كانت قد اتخذت خطوات فعلية منذ نيسان 2025 رداً على زيادة الإدارة الأمريكية للتعريفات الجمركية، من بينها تطوير العلاقات الاقتصادية مع واشنطن مباشرة دون شركات وسيطة، وإرسال وفد اقتصادي عالي المستوى إلى الولايات المتحدة لبحث آفاق التعاون الثنائي ومراجعة السياسات الجمركية القائمة. 

رابعا: طبيعة العلاقة بين واشنطن وبغداد: خطية أم دائرية؟ 

لن نعْدُ الصواب عندما نعترف بأن العلاقات العراقية الأمريكية ليست طبيعية وبنّاءة وقابلة للقياس والتقدّم، فهي علاقة غير منتجة ولا مثمرة وتدور في مسار دائري لم يحدد فيه الطرفان الأولويات ولم يتفقا عليها، ولا تسير في خط مستقيم واضح يمكن تتبّعه والبناء عليه، بخلاف ما نشهده من تطور نسبي في علاقات العراق مع العديد من الدول الأخرى. وهي الإشكالية التي نوه إليها ذات مرة أحد المسؤولين العراقيين خلال جلسة نقاشية ضمّت نخبة من الخبراء والباحثين الأمريكيين المختصين بالشأن العراقي، مؤكداً الحاجة إلى إعادة تقييم جدي لطبيعة هذه العلاقة.  

وفي الواقع، منذ العام 2003 وحتى الوقت الراهن، لم تتطور هذه العلاقة، فما تزال “مكبّلةً” بالشكوك والهواجس وعدم الثقة، رغم المساعي المشتركة لتصحيح تلك العلاقة، التي لا تعدو كونها مساعٍ لردّ الشبهات التي تعترض سبيل تقوية العلاقة، لا سيما من الجانب العراقي، لكنْ، رغم ذلك، لم تتخذ هذه العلاقة شكلاً ثابتاً قائماً على أساس التوازن في إدارة المصالح المشتركة ومبدأ الثقة بين الطرفين، وتوسيع مجالات التعاون غير الأمنية؛ إذ ما تزال هذه العلاقة، في جوهرها، أحاديةَ البُعد، تتمحور حول الجانب الأمني والعسكري المقيّد، في حين بقيت الجوانب الاقتصادية والتكنولوجية والتجارية والثقافية والسياسية ضعيفة أو غير مؤثرة. 

يُعزى استمرار نمط العلاقة الدائرية هذا بين بغداد وواشنطن إلى العديد من الأسباب، من بينها عدم الاجماع السياسي الداخلي العراقي في تحديد العلاقة المرجوة مع واشنطن، ناهيك عن أن التفاعل والتصعيد الداخلي تجاه أمريكا عادةً ما يقوّض فاعلية العمل الدبلوماسي العراقي في واشنطن، ويُضعِف من الجهود الحكومية في المراكمة البنّاءة، ويتزامن ذلك مع التضليل الذي تقوم به اللوبيات المناهضة للعراق في دوائر صنع القرار الأمريكي. 

علاوة على ذلك، لا يمكن إغفالُ عامل تبدُّل الإدارات واختلاف الأجندة والسياسات تجاه العراق، بوصفه واحداً من الأسباب المؤثرة على طبيعية العلاقات بين البلدين، وهو أمر لا يعاني منه العراق وحده، وإنما الكثير من دول المنطقة والعالم خصوصاً مع ترامب العابر للمؤسسات، وهو ما يمكن تلمُّسه في علاقات واشنطن مع دول الخليج التي دائماً ما تكون عرضة للتغيير مع تبدل الإدارات، فنراها باردة مع الإدارات الديمقراطية في حين تزداد حرارة مع الإدارات الجمهورية. 

ومع ذلك فإن المشكلة الرئيسة والمؤثر الأكبر في علاقات بغداد بأمريكا هي إيران رغم تغير الإدارات، ومشكلة علاقات واشنطن بالعراق هي إيران أيضا. ورغم أن هذه المشكلة مشتركة لكلا الطرفين، غير أن الطرفين لم يتفاوضا بشأنها تفاوضاً منعزلاً ومنفتحاً وشفافاً، ولا يوجد فهم مشترك بشأنها؛ حيث يختلف الطرفان في طريقة التعاطي مع إيران، فبينما يراها العراق دولة جوار تتطلّب سياسات مختلفة، تراها واشنطن عدواً على المستوى المؤسساتي والعقائدي. وإن المتتبع لعلاقة ترامب بالعراق، سواء في إدارته الأولى او الثانية، سيلحظ أن المتغيّر الإيراني هو الذي يهمين على المشهد الثنائي بين الطرفين.  

بالإضافة لما تقدّم، فإن واحداً من أبرز التحديات البنيوية في العلاقات العراقية الأمريكية هي فجوة الجيل؛ إذ تُدار العلاقة من جانب قيادات أمريكية قديمة في الكونغرس، والإدارة ما تزال تنظر إلى العراق في سياق دولة ولدت من رحم الاحتلال الأمريكي وأصبحت نتيجة له، بينما يقابلها جيل عراقي من القادة يرى في الولايات المتحدة قوة احتلال سابق أو قائم، لا تزال تسعى للحفاظ على نفوذها وتقويض استقلالية السيادة العراقية. هذه الفجوة في الوعي والسرديات تفاقمها المعلومات المضللة التي تؤدي دوراً سلبياً في توجيه العلاقة وتغذيتها بسوء الفهم. وهي الإشكالية التي يمكن أن نلاحظها بوصفها سمة متكررة في تفاعلات الإدارات الامريكية العراقية على حد سواء، مما يؤكد الحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة وبنائها على أسس واقعية قوامها الثقة المتبادلة.  

خامساً: إعادة التعريف المتبادل: سبل تصحيح العلاقات العراقية الأمريكية 

يشعر العديد من العراقيين بأن الولايات المتحدة لم تقدم ما يكفي للعراق رغم مساعيهم لبناء علاقة إيجابية معها، في حين يرى الكثير من الأمريكيين أن العراق لم يُظهر ما يتناسب مع حجم التطلعات الأمريكية من حيث التعاون والمواقف، وهو ما يجعل الشعور بالإهمال والإحباط في العلاقة سائداً ومتبادلاً، الأمر الذي يُضعف من فرص تطويرها تطويراً خطياً ومستداماً.  

رغم وجود رغبة معلنة ومتبادلة في بناء علاقات اقتصادية متقدمة، غير أن الطرفين لا يريانها على أرض الواقع. فمثلاً هناك مسعىً عراقيٌ إلى تغيير البعد الأحادي في علاقته مع الولايات المتحدة. أما من الجانب الأمريكي فهناك رغبة باستثمارات كبيرة في العراق، غير أن هناك شعوراً أمريكياً بأن العراق لايزال غير قادر على إعطاء الضمانات الأمنية إلى جانب نزاهة الإجراءات المؤسساتية. 

إن إعادة تعريف العلاقة من جديد هو السبيل للارتقاء بها إلى علاقات طبيعية أساسُها الثقة المشتركة والتفهُّم المشترك بين البلدين، ولعله ليس من المبالغة القول إن إعادة التعريف هذه تتطلب انتقالاً حقيقياً من حالة الحرب إلى حالة السلم، وهو انتقال لا يمكن تحقيقه دون تصفية الموروثات التي لا تزال تؤطر العلاقة بين البلدين. ومن أبرز هذه الموروثات تشريعات “حالة الحرب مع العراق” التي أُقرت في الكونغرس الأمريكي عام 2002، والتي ما تزال سارية رغم توقيع البلدين اتفاق الإطار الاستراتيجي عام 2008، إذ تستند تلك التشريعات إلى تصورات عن العراق تعود إلى عهد النظام السابق، وتستمر في تصنيفه على أنه عدو. كما أن حالة الطوارئ الخاصة بالعراق والأموال العراقية، المعلنة منذ عام 2003، ما زالت قائمة، إلى جانب استمرار وجود التحالف الدولي رغم انتهاء مهامه الرسمية بعد القضاء على تنظيم داعش في العراق. 

تبقى المسألة الأهم والأكثر تأثيراً في مسار العلاقات العراقية الأمريكية هي ضرورة إعادة رسم هذه العلاقة بعيداً عن المتغير الإيراني، والتعامل مع العراق بوصفه عراقاً. إذ تتطلع بغداد إلى أن تُفهم سياستها الخارجية المتوازنة من قبل واشنطن، وأن يُقدَّر التزامها بالحياد والابتعاد عن سياسة المحاور، وهو ما يتطلب بناء فهم مشترك ورؤية جديدة للعلاقة بين البلدين. 

أخيرا ينبغي أن يعاد تعريف العلاقات بما يتجاوز الطابع الأمني والعسكري والانتقال إلى مرحلة ما بعد التحالف الدولي بشأن وضع القوات أو الشراكة الأمنية الثنائية، وتعزيزها باتجاه شراكة شاملة ومستدامة تقوم على المصالح الاقتصادية والتنموية. إذ تمتلك الولايات المتحدة فرصاً حقيقية لتعزيز تعاونها مع العراق في مجالات الطاقة، والبنية التحتية، والتعليم، والتكنولوجيا، وهي مجالات تحظى بدعم وترحيب عراقي، بل إنها مجالات لا تتقاطع مع أولويات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، التي تقوم على بناء علاقات قائمة على الربح الاقتصادي، لا على النفوذ الأمني وحده. 

  • تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج“.