عندما كان عبد الواحد شايع يكدح في مهنة تصليح الأجزاء الكهربائية للمحركات، رزق عام 1989 بولد سماه أحمد، وبعد 26 عاماً، سيلمع اسم هذا الولد بوصفه واحداً من أكبر المتنفذين والخطيرين في البصرة، وسوف يسيطر على مشروع ميناء الفاو، ويخوض معارك مسلحة، ويُسجن ثم يهرب، ويهدد الحكومة المحلية وكل من يعترض طريقه من محل إقامته خارج العراق.
بداية الطريق
ولد أحمد عبد الواحد شايع يوم 23 أيار 1989 في البصرة، لعائلة فقيرة تسكن قضاء الفاو، وكان والده يعمل في سبعينيات القرن الماضي عاملاً لدى إحدى الشركات الفرنسية في قطاع النفط.
وسرعان ما تعلم عبد الواحد مهنة صيانة الأجزاء الكهربائية لمحركات الديزل، والبنزين، والمحركات الكهربائية، على يد مهندسي الشركة وكوادرها وبتشجيع منهم، ليصبح فيما بعد محترفاً في هذا المجال، وليرتقي بصفته الوظيفية إلى عامل حِرَفي.
مع اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، تركت الشركة الفرنسية العمل وغادرت العراق، كما نزح عموم أهالي الفاو وتوابعه إلى مناطق أخرى، إثر تعرض الأحياء السكنية لقصف إيراني كثيف.

نزح عبد الواحد شايع من الفاو باتجاه قضاء الزبير غربي البصرة، وما إن استقر فيه حتى افتتح محلاً في الحي الصناعي لتصليح الأجزاء الكهربائية للمحركات.
وبعد غزو الكويت عام 1990 وما تلاه من عقوبات اقتصادية فرضت على العراق، فتحت الحكومة العراقية الأبواب أمام عدد من كبار التجار للعمل بنظام المقايضة، بهدف تأمين المواد الغذائية الضرورية والمواد الاحتياطية التي تؤمّن ديمومة عمل القطاع الصناعي العام من قِبَل أولئك التجار، مقابل تجهيزهم بكميات من زيت الغاز وزيت الوقود يقومون بتصديرها إلى خارج العراق.
وكان التجار العراقيون يبيعون الوقود لتجار أتراك في بادئ الأمر، ولكن طريق التصدير تغير لاحقاً، لتكون موانئ البصرة هي محطة الانطلاق نحو دبي، وذلك بعد تحسن العلاقات الدبلوماسية بين العراق والإمارات، وسعي الأخيرة إلى تخفيف وطأة العقوبات المفروضة على العراق.
توجه التجار العراقيون، الذين صاروا يُعرفون في ذلك الحين بـ”تجار النفط”، إلى دبي ليؤسسوا شركات لهم هناك، وراحوا يستأجرون سفناً وجنائب بحرية، من أجل نقل الوقود بعيداً عن الطوق الذي كانت تفرضه قوات التحالف الدولي على المياه الإقليمية العراقية، تنفيذاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 661 لسنة 1990، فكانت السفن والجنائب المحملة بالمشتقات النفطية تبحر من المياه الإقليمية العراقية إلى المياه الإقليمية الإيرانية بصورة مباشرة، دون الإبحار في المياه الدولية، وعندما تصل إلى ما بعد جزيرة كيش الإيرانية تتوجه إلى موانئ دبي، مقابل دفع “رسم التجويز” للسلطات الإيرانية، وكان مقداره عشرة دولارات لكل طن من الوقود.
جنى التجار أرباحاً طائلة من هذه التجارة، ما دفع بالمئات من أصحاب المهن إلى خوضها، فمنهم من قرر العمل بمفرده على شراء المشتقات النفطية مباشرة من شركة تسويق النفط العراقية (سومو)، أو من تجار آخرين عبر وسطاء، ونقلها بحراً إلى دبي بسفينة مملوكة أو مستأجرة، ومنهم من امتهن التجارة الداخلية بشراء شحنات المشتقات النفطية وبيعها لآخرين ضمن نطاق المياه الإقليمية العراقية، ومنهم من عمل سمساراً، ومنهم من قرر تشييد سفينة صيد أو ساحبة بحرية، بهدف الحصول على حصة الوقود الشهرية، التي كانت تجهز من قبل دوائر وزارة النفط لزوارق وسفن الصيد والساحبات العراقية بسعر مدعوم، فيباع الجزء الأكبر من تلك الحصة بعد استلامها في المياه الإقليمية العراقية.

كان عبد الواحد شايع ممن قرروا استثمار ما بحوزتهم من أموال لتشييد سفينة للصيد “لنج”، في إحدى الورش الصناعية بالحي الصناعي في الزبير، بقصد اللحاق بركب سابقيه من أبناء عمومته ومعارفه من أهالي الفاو، الذين صاروا يعملون في تجارة المشتقات النفطية خلف ستار صيد الأسماك، ولكنه لم يفلح في إنجازها حتى سقوط نظام صدام حسين.
وبعد سقوط النظام، نقل أبناؤه (علي وعامر وأحمد ومحمد) السفينة إلى الفاو براً بقصد إكمالها، خاصة بعد ازدهار تجارة المشتقات النفطية والممنوعات في المياه الإقليمية العراقية، بسبب الفوضى التي سادت البلاد آنذاك.
وسعياً منهم لدخول السوق، اضطر الأبناء في بادئ الأمر إلى العمل بمعية أحد مالكي السفن من أهالي الفاو، حتى يتمكنوا من تأمين المبلغ المطلوب لإكمال سفينتهم، فاكتسبوا خبرة في مجال عملهم الجديد بتجارة النفط والممنوعات، ثم ترك ثلاثة منهم العمل مع هذا الرجل، وعملوا بسفينتهم التي افتتحوها بالتعاون مع أحد أبناء عمومتهم ويدعى رافد، الذي توفي منتصف عام 2004.
أما شقيقهم الرابع (أحمد)، فقد بقي يعمل مع رب عمله، رغم صغر سنه في ذلك الحين، إلا أنه مارس المكر أثناء العمل، حيث كان يتواصل سراً مع زبائن رب عمله، ويعرض عليهم أن يشتروا ما يريدون من زيت الغاز أو زيت الوقود من أشقائه بسعر أقل، فراح الزبائن يتسربون تباعاً نحو أولاد شايع، ما أسهم في انتعاش تجارتهم انتعاشاً ملحوظاً، ليعرضوا فيما بعد على رب عملهم السابق أن يدخل معهم في شراكة مقابل دفع مبلغ مالي كبير، ليتمكنوا من شراء عدد من السفن، بما يؤمّن لهم السيطرة على السوق، وقد وافق الأخير على عرضهم وسلمهم المبلغ المطلوب، ولكنه لم يحصل منهم على أي مقابل، ولما طالبهم بإعادة أمواله، رفضوا طلبه وهددوه، فالتزم الصمت إزاء نفوذهم الآخذ بالاتساع.

وسعياً منهم للتستر على أعمالهم التي توصف بين الناس بـ “المشبوهة”، شيّد أولاد شايع أكبر حسينية في قضاء الفاو، وسموها حسينية أم الحسن، وصاروا يقيمون مجالس العزاء فيها خلال المناسبات الدينية، ويستقطبون مشاهير الخطباء والشعراء لإحياء تلك المجالس، إضافة إلى دفع الأموال لبعض القنوات الفضائية لغرض تغطيتها، قبل افتتاحهم قناة أم الحسن الفضائية.

وزيادةً منهم في التستر على أنشطتهم، أسسوا “فريق الفاو التطوعي”، الذي صار يتكفل بتلبية المناشدات الإنسانية، وتنظيم حفلات الزواج الجماعي بتمويل منهم، وبالإشارة المباشرة إلى أن أحمد شايع هو الراعي، لتكسب العائلة بذلك ود الآلاف من أبناء الفاو من الفقراء والمعدمين، حتى صاروا يتحكمون بهم ويوجهونهم، الأمر الذي دفع بمئات من المسؤولين والسياسيين والوجهاء والأعيان إلى التقرب من أولاد شايع، والعمل على توطيد العلاقات معهم.

رصاص ومعارك وقتل
بعد إعلان وزارة النقل، في 22 تشرين الثاني 2012، التعاقد مع شركة أركيرودون اليونانية، لتنفيذ مشروع كاسر الأمواج الشرقي لميناء الفاو الكبير، توجهت أنظار أولاد شايع نحو المشروع، ولكن الرياح لم تجرِ بما تشتهي سفنهم، حيث تعثرت خطواتهم على هذا الطريق في البداية بسبب وجود منافسين، ليضطروا إلى الدخول في شراكة مع جواد الساري، القيادي البارز في حركة “عصائب أهل الحق”، بهدف الاستقواء به على الآخرين، وضمان حمايته إياهم، ومنع التعرض لهم من قبل أي جهة.
في غضون ذلك، اندلع نزاع مسلح بين أولاد شايع وعائلة سالم الموسوي، وهي إحدى العوائل المعروفة في الفاو، حول أحقية أي منهما في العمل بمشروع الكاسر الشرقي لميناء الفاو.
أسفر النزاع عن مقتل أشخاص وإصابة آخرين في كلا الجانبين، ومنهم علي عبد الواحد شايع، الذي قتل في 1 نيسان 2015 إثر تعرضه لإطلاق نار من أحد أشقائه عن طريق الخطأ أثناء الاشتباك.

لمع نجم أحمد شايع بعد مقتل شقيقه علي الذي كان يقود الركب، وإثر مقتله، شن الأشقاء وأبناء عمومتهم ومقربون منهم هجوماً مسلحاً شرساً بقيادة أحمد على عائلة سالم الموسوي وأقربائه الساكنين بجواره، فهجّروا العوائل، وأحرقوا بيوتهم بالكامل، ليفرضوا عقب ذلك سطوتهم ونفوذهم على الفاو، ويدخلوا ميدان العمل في مشروع الكاسر الشرقي لميناء الفاو الكبير.
كما أسسوا عدداً من الشركات بقصد الظفر بعقود المقاولات الثانوية للمشروع، وأهمها شركة الدويب، ولكنهم سرعان ما تمددوا وصولاً لإبرام اتفاق شراكة مع اللجنة الاقتصادية لـ “حركة عصائب أهل الحق”.
ازدهرت تجارتهم وأعمالهم بعد الاتفاق الأخير ازدهاراً كبيرة، وصاروا يفرضون الإتاوات على الشركات التي تدخل ميدان العمل في قضاء الفاو، بما فيها شركة دايو الكورية الجنوبية التي تعاقدت معها فيما بعد وزارة النقل، لتنفيذ مشروع الكاسر الغربي لميناء الفاو الكبير.

هكذا خرجوا من العمل المحلي إلى الدولي، حيث أسسوا شركات في دبي وعمّان، وصاروا يبرمون الاتفاقات مع عديدٍ من الشركات خارج العراق.
ولكن المعوقات والمشاكل لم تكن بعيدة عن طريقهم، إذ دخلوا في كثير من النزاعات والمواجهات المسلحة مع عشائر وفصائل مسلحة وجهات سياسية، وأصدرت السلطة القضائية بحقهم العشرات من مذكرات الاعتقال، لكنها لم تنفذ نتيجة لنفوذهم.
وبحلول آذار 2020، فرض أولاد شايع حصاراً تاماً على مشروع ميناء الفاو الكبير، ومنعوا الدخول إليه والخروج منه، بسبب رفض إدارة شركة دايو التعاقد معهم لتنفيذ مزيد من الأعمال في مشروع الكاسر الغربي، ما دفع الشركة إلى التهديد بالانسحاب من المشروع، الأمر الذي اضطر عادل عبد المهدي، رئيس الوزراء آنذاك، إلى زيارة المشروع في 6 آذار 2020، بقصد فك الحصار عنه وطمأنة إدارة وكوادر دايو، ولكنه غادر الميناء عائداً إلى بغداد دون تحقيق الهدف من زيارته.

ردّ أحمد شايع وأشقاؤه على تهديد إدارة دايو بالانسحاب من المشروع ومطالبتها السلطات بحمايتها منهم، باقتحام مواقع العمل في 7 آذار 2020، وإطلاق الرصاص في الهواء، بقصد إثارة الرعب في نفوس العاملين، ومن ثم الاعتداء بالضرب المبرح على خمسة من الكوادر، وإلحاق أضرار بالغة بسيارة كانت تقلهم، ما اضطر إدارة الشركة إلى الرضوخ لمطالبهم، بعدما أيقنت أن الحكومة العراقية غير قادرة على توفير بيئة آمنة لكوادرها.
في 7 أيار 2020، أُعلن عن تشكيل حكومة جديدة برئاسة مصطفى الكاظمي، ليتبع ذلك تعيين فرحان الفرطوسي مديراً عاماً جديداً للشركة العامة لموانئ العراق، المعروف بانتمائه للتيار الصدري، ما أثار مخاوفهم من احتمالية خسارتهم مشروع ميناء الفاو، الذي يعد واحداً من أهم مصادر إيراداتهم المالية، وبالتالي خسارتهم السطوة والنفوذ في قضاء الفاو.
لذلك اضطروا إلى البحث عن قناة تواصل جديدة، يمكن لها أن تؤسس لعلاقة بينهم وبين منظمة بدر بزعامة هادي العامري، التي ينتمي إليها وزير النقل في ذلك الحين ناصر الشبلي، والتيار الصدري الذي ينتمي إليه مدير عام الموانئ الجديد فرحان الفرطوسي، بموازاة عملهم الدؤوب باتجاه الضغط على إدارة دايو، بقصد منعها من فتح الأبواب أمام أي شركة أخرى للظفر بعقود جديدة لتنفيذ جزء من الأعمال، خاصة بعد إعلان حكومة الكاظمي عزمها على المضي في تنفيذ مشروع الميناء وتوابعه، بالتزامن مع سعي العديد من الأطراف الطامعة في الحصول على حصة من أموال المشروع، البالغة نحو 2 مليار و625 ألف دولار، لاسيما أن العراق كان يعيش في أزمة مالية خانقة، نتيجة الهبوط الحاد في أسعار النفط جراء جائحة كورونا.

في خضم كل ذلك، وفي 8 تشرين الأول 2020، عُثر على بارك تشول هوبا، المدير التنفيذي لشركة دايو، ميتاً ومعلقاً داخل غرفته في المشروع، لتعلن الشركة في 9 تشرين الأول 2020 إيقاف العمل فيه.
وقد شاع حينها أن هوبا لم ينتحر، وإنما قُتل، ومن ثم تعليقه من رقبته بحبل مربوط في السقف، وتصويره على أنه مات منتحراً، فيما قال المحامي عدنان الصرايفي، المشاور القانوني للشركة، “إن هناك شكوكاً لدى قاضي التحقيق بوجود شبهة جنائية، وذلك بعد إجراء التحقيقات الأولية، وتدوين أقوال عدد من العاملين في الميناء، والتناقضات في أقوال أحدهم، وقد لوحظ وجود جرح جديد في يده، ما أثار الشبهات حوله”.
ووجه البعض أصابع الاتهام إلى أولاد شايع، ولكن وزارة الداخلية أفادت في بيان لها، صدر في ذلك الحين، بأن الحادث كان انتحاراً وليس جريمة قتل، وعدَّ الكاظمي الانتحار نتيجة لتعرّض مدير الشركة الكورية لابتزاز.

نور زهير في الصورة
بقيت المعوقات قائمة أمام أولاد شايع في مشروع ميناء الفاو، إلى أن وجدوا ضالتهم في شخص يدعى (أ.غ)، يوصف بأنه أحد عرّابي الصفقات، وهو عراقي الجنسية، من أهالي بغداد، يقيم إقامة شبه دائمة في دبي، وسبق له أن فتح لأولاد شايع قنوات تواصل خارج العراق، وقد اقترح عليهم التواصل مع شخص من معارفه، اسمه نور زهير، لما يمتلكه من علاقات واسعة في بغداد.
واستناداً إلى مشورة (أ.غ)، تواصل أولاد شايع مع نور زهير، وخاضوا معه جولات من المفاوضات، انتهت بإبرام اتفاق، يقضي بأن يتكفل زهير برفع المعوقات التي تعترض طريق التعاقد بين وزارة النقل ودايو، خاصة بعد تلويح ناصر الشبلي، وزير النقل الأسبق، بإيقاف عمليات التفاوض مع الشركة، والتعبير خلال اجتماع له مع إدارتها عن قناعته بعدم قدرتها على تنفيذ المشروع وفق المواصفات المطلوبة.
إضافة إلى تكفله -نور زهير- بتطبيع العلاقات بين أبناء شايع والتيار الصدري الذي ينتمي إليه مدير عام الموانئ الجديد، مقابل توزيع الأرباح بواقع ثلاث حصص متساوية، واحدة لأحمد شايع وأشقائه، وواحدة لنور زهير وفريقه، والحصة الثالثة للجهة السياسية التي يتبعها مدير الموانئ، مع الإشارة إلى أن حصة نور زهير يشاركه فيها مسؤولون بارزون، ومنظمة بدر، التي ينتمي إليها وزير النقل في حينه.
تحقق الأرباح وفقاً للاتفاق المبرم بين نور زهير وأحمد شايع من خلال التعاقد سراً من قبل الأخير مع مقاولين ثانويين، لتنفيذ الأعمال المحالة إلى شركاته من قبل دايو، لقاء مبالغ تقل بكثير عن قيمة العقود المبرمة مع الشركة الكورية الجنوبية، وتمثل الفروقات بين قيمة العقود أرباح الشركاء.
وقد أفضى الاتفاق بين شايع وزهير إلى الإعلان عن توقيع عقد تنفيذ مشروع ميناء الفاو بين وزارة النقل ودايو في 30 كانون الأول 2020، إثر جهود كبيرة بذلها زهير والأمين العام لمجلس الوزراء حميد الغزي، المعروف بانتمائه إلى التيار الصدري، حاله في ذلك حال المدير العام للشركة العامة لموانئ العراق فرحان الفرطوسي.
استشعرت حركة عصائب أهل الحق خسارتها الكبيرة بعد انقلاب أحمد شايع عليها، والاقتراب من التيار الصدري، ولذلك قررت إثارة الرأي العام، وجندت لذلك أحد أعضاء مجلس النواب المعروفين، وعدداً من المدونين وصناع الرأي، وحركت جيوشها الإلكترونية، في محاولة لإقناع الرأي العام بأن التعاقد مع شركة دايو تحوم حوله العديد من شبهات الفساد، وأن حكومة الكاظمي قررت التعاقد مع هذه الشركة تنفيذاً لرغبة أمريكية، رغم أن التعاقد مع دايو في عهد الكاظمي كان استناداً لقرار مجلس الوزراء رقم 63 لسنة 2019، الذي صدر في عهد حكومة عبد المهدي.
ساد الهدوء بعد مباشرة دايو لأعمالها، وصار الشركاء يقطفون ثمار شراكتهم، متمثلة بعشرات الملايين من الدولارات توزع بينهم، قبل أن يشتعل فتيل الخلافات بين أحمد شايع ونور زهير، إثر اتفاقات سرية كان يبرمها شايع مع المقاولين الثانويين، تؤمّن حصوله على مبالغ مالية تفوق حصته المقررة وفقاً للاتفاق، ليشهد ميدان الخلاف بينهما صولات وجولات وكرّاً وفرّاً، قبل أن تتفجر فضيحة سرقة ما يزيد على 2.5 مليار دولار من حساب الأمانات الضريبية في مصرف الرافدين، تلك السرقة التي سميت بـ”سرقة القرن”، والتي كان نور زهير أبرز المتورطين فيها.
اعتُقل نور زهير في 24 تشرين الأول 2022 على خلفية تلك القضية، ثم أُطلق سراحه في 28 تشرين الثاني 2022 بكفالة مالية، بذريعة منحه الفرصة لإعادة المبالغ المسروقة من قبله، فهرب إلى خارج العراق ولم يعد.
وبعد مرور ثلاثة أشهر على إطلاق سراح زهير، وتحديداً في 28 شباط 2023، أعلن جهاز الأمن الوطني اعتقال أحمد عبد الواحد شايع، واصفاً إياه بأنه “أحد أخطر المهربين والمطلوبين للقضاء في العراق، والصادرة بحقه مذكرات قبض قضائية في أكثر من قضية تمس أمن الدولة وجرائم أخرى من بينها القتل والإرهاب”، الأمر الذي دفع البعض إلى الاعتقاد بأن ما جرى لا يعدو كونه عملية تصفية حسابات بين جهات سياسية متصارعة على عقود ميناء الفاو الكبير.
في 19 شباط 2024، هرب أحمد شايع من أحد مراكز الشرطة وسط البصرة، وصدرت على خلفية هروبه تصريحات وبيانات يشوبها كثير من التناقضات، خاصة بيان وزارة الداخلية، الذي كشف أنه كان محكوماً مدة عامين وفق أحكام المادة 412 من قانون العقوبات العراقي، وأنه كان يتلقى العلاج في أحد المشافي القريبة من مركز الشرطة المحتجز فيه، وهو مركز شرطة الجمهورية، كونه -أحمد شايع- مصاباً بفشل كلوي، وأنه تمكن من الهرب بمساعدة أحد ضباط الشرطة، الذي كان بدوره مكلفاً بنقله من مركز الشرطة إلى المشفى لتلقي العلاج ومن ثم إعادته.
أثار بيان الداخلية استفهامات عديدة عن كيفية محاكمة واحد من أخطر المطلوبين للقضاء بتهم تمس أمن الدولة والقتل والإرهاب، بقضية اعتداء بالضرب والحكم عليه بالحبس مدة سنتين، وتسليمه للشرطة ليودع في أحد المراكز قبل انقضاء مدة محكوميته وتقرير مصيره بشأن القضايا الأخرى.
وعلى أي حال، دخلت أطراف عدة على خط الصراع بعد هروب شايع، بقصد تسوية الخلافات وتصفيرها.
ولم ينزوِ شايع بعد هروبه في زاوية مظلمة خشية الملاحقة، بل بات يبث مقاطع فيديو عبر تطبيق تيك توك، يخاطب فيها أنصاره ومحبيه، ويشكر لهم وقوفهم إلى جانبه، وفي الوقت ذاته يتوعد شخصيات سياسية وأمنية بالعقاب.



وكانت المفاجأة عندما ظهر إلى جوار حسين خليل، المكنى بـ “أبي علي”، الحارس الشخصي لحسن نصر الله، الأمين العام السابق لحزب الله اللبناني، يوم تشييع الأخير، ما دفع إلى الاعتقاد بأن أحمد شايع يقيم في بيروت تحت حماية حزب الله، خاصة بعد إعلانه نجاح عملية زرع الكلى، التي أُجريت له في إحدى مستشفيات بيروت، فيما يزعم البعض أنه صار يمثل الذراع الاقتصادية لحزب الله في الفاو، فقد زعم بعض المقربين أنه يقيم في دبي، ويتردد باستمرار على الفاو عن طريق البحر، مستقلاً سفناً تجارية، أو سفن صيد قادمة من دبي باتجاه البصرة، لينزل منها في المياه الإقليمية، ويُنقل بعد ذلك من قبل رجاله إلى الفاو بواسطة أحد الزوارق السريعة، فيمكث يومين أو ثلاثة بين أهله قبل أن يعود أدراجه، فيما تشير مزاعم أخرى إلى أنه يصل إلى الفاو عن طريق شط العرب قادماً من إيران.
ولم يتسن لـ “جمّار” التحقق من مكان إقامة شايع، وما إذا كان يزور الفاو حقاً بين مدة وأخرى، لكن المؤكد أنه ما زال حتى الآن هارباً، غير أن شركاته مستمرة بالعمل وجني الأرباح الطائلة، وقد يكون لشايع في الانتخابات البرلمانية المُقبلة مرشحين للبرلمان، فقد سبق وأن أعلن أن من دعمهم في السابق، خذلوا أهالي الفاو.
- بُنيت هذه المادة على أساس مقابلات أجراها الكاتب مع تجار، وسياسيين، واقتصاديين، وعمّال، وسكّان من أهالي قضاء الفاو، على مقربة من تحولات عائلة عبد الواحد شايع، وقد رفض أغلبهم الإشارة إلى هوياتهم. كما استندت المادة إلى بيانات رسمية، ومصادر مفتوحة، ومنشورات لأحمد شايع وأنصاره، إضافة إلى تفاعلات وردود متبادلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.