كلمتان يرددهما معظم سكّان إقليم كردستان العراق منذ أشهر بلا توقف: “كذابون” و”لصوص”، يصفون بهما السياسيين الكرد. تسمع هاتَين الكلمتين كلّما ورد خبر أو إشاعة جديدة حول توزيع الرواتب، يقولهما الكرد بقلوب يملؤها الخذلان وخيبة الأمل، بسبب عدم وفاء قادتهم في إقليم كردستان العراق بوعودهم.
أكثر من 80 يوماً مرّت على استلام الموظفين الحكوميين في إقليم كردستان آخر راتب من الحكومة المركزية في بغداد. وقد أُعلِنَ في 17 من تموز الجاري عن التوصّل إلى اتّفاق جديد بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، يُسلِّم بموجبه الإقليم 230 ألف برميل من النفط يومياً إلى شركة تسويق النفط العراقية “سومو”، بالإضافة إلى تشكيل فريق عمل من وزارة المالية الاتحادية وديوان الرقابة المالية الاتحادي، بالتنسيق مع وزارة مالية إقليم كردستان وديوان الرقابة المالية في الإقليم، لتصنيف الإيرادات غير النفطية وتدقيقها، وتحديد حصة الحكومة الاتحادية منها. إذا طُبّق الاتفاق، فستصرف بغداد في المقابل الرواتب والمستحقات المالية.

لكنْ، يبدو أن الاشتباك السياسي الكبير في ملف نفط الإقليم يأبى أن يُطمئن سكّانه، حيث عكّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صفو الاتفاق حين نُشر مرسوم رئاسي تركي في الجريدة الرسمية، في 21 تموز، معلناً أن اتفاقية خط أنابيب النفط الخام بين تركيا والعراق، السارية منذ عام 1973، ستنتهي في 27 تموز 2026. في خطوة تبدو، بالنظر إلى توقيتها الذي تبع إعلان اتفاق بغداد-أربيل، أنها انتقامية من جهة، بسبب كسب بغداد الدعوى الخاصة بخط الأنابيب ضد تركيا، وضاغطة من جهة أخرى، تهدف إلى رفع المكاسب التركية من مرور النفط العراقي على أراضيها.
لم يمنع الإعلان التركي صرف الدفعة الأولى من رواتب موظفي إقليم كردستان المتأخرة لشهر أيار الماضي، حيث بدأت الحكومة الاتحادية صرفها للموظفين.
ترحيب بطعم الخذلان
بهذا الخبر، دخل بصيص الأمل إلى البيوت الكردية، بعد أكثر من شهرين، سادت خلالهما مشاهد الانكسار مواقعَ التواصل الاجتماعي، كتلك الأُم ذات الملامح المهمومة والشعر الأشيب، وهي تتحدّث عن سوء وضع عائلتها الاقتصادي، وتقول بأنها اضطُرت لبيع أقراط ابنتها الذهبية لتسديد احتياجات المنزل اليومية، بينما تتهرب عينا ابنتها الصغيرة من عدسة الكاميرا، وتخفي وجهها بيدٍ تحمل ألف دينار.

كان الأمل أكبر مع قرارات المحكمة الاتحادية التي قضت بوجوب توطين رواتب موظفي الإقليم مثل بقية موظفي الدولة العراقية، حينها بدأوا يضعون الخطط حول ما سيفعلونه عندما تصلهم مستحقاتهم دون أيّ تأخير. رحّب الكرد بالقرار، ليس الموظفون فحسب، بل كذلك أصحاب المحلات التجارية وسائقو سيارات الأجرة، وأصحاب العقارات والفنادق والتجار، لأن الكل يعاني من ركود السوق في غياب مصدر الدخل الأول للعائلات الكردية.
الوعود المتراكمة
لم يكن المجتمع الكردي حزيناً بسبب الخسارات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي منيت بها قياداتهم لصالح بغداد، بلْ على العكس، معظم الكرد فرحوا بالاتفاقات التي كادت تخنق حكومة تصريف الأعمال في الإقليم، على أمل تحسُّن وضعِهم المعيشي المتدهور. وعبّر الكثير من الموظفين عن فرحهم أمام الكاميرات، وفي الشوارع والمجالس، ومواقع التواصل الاجتماعي، حين ارتفع نفوذ العاصمة بغداد وسيطرت على ملفَي النفط والرواتب، متأملين نهاية لخلافات الجانبين حول تصدير نفط الإقليم وتهريب التجار النفط الخام إلى بعض دول المنطقة، مثل إيران وأفغانستان، علّ هذا الاتفاق يأتي بحل نهائي.
لا تنسى ذاكرة الكرد تسعينات القرن الماضي، إذ عمل الموظفون حينها لسنوات عملاً تطوعياً في المدارس والمؤسسات الإدارية، بعد تمتّعهم بالحكم الذاتي في بداية العقد. لكنْ، حينها، كانوا يعيشون حلماً وينتظرون آخر بمستقبل أكثر إشراقاً. حتى حدث العكس، وواجه الإقليم فشلاً بعد آخر، الأكثر حدة كان التوقف عن دفع الرواتب منتظمة في أوقاتها بعد سيطرة تنظيم “داعش” المتطرف على مساحات واسعة من العراق، من ضمنها أراض كانت تحت سيطرة الإقليم، وانحدار أسعار النفط. مرت أكثر من عشر سنين وحكومة أربيل تقطع الوعود وتخلف، وليس بيد الناس سوى الصبر والانتظار وهم يشاهدون ما زرعوه واستثمروا فيه لسنوات لم يدرّ عليهم الكثير، بل كانت شجرتهم عقيمة، بعد سنين التضحية العجاف.
إنه عالم كبير وبشع، بلا شك، تنهال الأخبار فيه من كلّ ناحية وصوب، لكن عينَي الكردية لا تبحث إلّا عن خبرٍ يتكلم عن الجوع والاضطهاد والخذلان الذي يمر به الكرد في العراق، إذ لا أحد يتذكر معاناتهم ومصاعب حياتهم، إلّا إذا كان للموضوع علاقة بحزب أو حركة أو ميليشيا مسلحة، عدا ذلك، الكرد منسيون.

مرت قرابة ثلاثة أشهر على آخر مرتب تلقاه الموظّفون من الحكومة المركزية في بغداد، حينها كان العيد يقترب، والعطلة الصيفية ببدايتها.
“بينما كنا نتمشى في الشارع أنا وقريبتي، مررنا أمام محل فساتين صيفية ملونة، قالت لي بأنها تحتاج إلى واحد جديد، وأنها تحب ذاك الوردي، فسألتها بكل سذاجة: “ممتاز لم لا تشترينه الآن؟”، ردّت عليّ بكل هدوء “لا أملك أيّ مال الآن”. تملّكني تأنيب الضمير حين تذكرت معاناتها اليومية مع انتظار “المعاش”، نعم، هكذا نسميه، لأن أكثر من عشرين بالمئة من سكان الإقليم يعتمدون على الراتب الحكومي لتغطية معيشتهم و احتياجاتهم”.
بالنسبة للكرد، فقدت معتقداتهم وقيمهم معانيها، الواحدة تلو الآخرى، مثل الوطنية، والديمقراطية، و”الكردياتي” أي الإيمان بالقضية الكردية، والدين، والقبيلة، في حين وصل الناس إلى حالة قريبة من الانهيار أو الانفجار.
لم يعد الكُرد متلهفين للاستقلال، ولا لتقوية النفوذ الكردي في بغداد، بل أصبح همهم الأول والأخير إعالة عوائلهم، و تسديد ديونهم المتراكمة، حتى وإن تضخّم نفوذ الحكومة المركزية في بغداد، نعم، شيئاً فشيئاً انحسرت آمال ربّ الأسرة الكردي في إقليم كردستان العراق باستلامه مستحقاته في وقتها، ولم يعد يُسعده شيء كما يسعده خبر الاتفاق على صرف هذه المستحقات، ولا يقلقه شيء بقدر قلقه من انهيار هكذا اتّفاق لغرض سياسي.
- تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج“.