شعرت بيادر عباس بوجود خطأٍ ما عندما ذهبت إلى صالة رياضية نسائية (جيم) للاشتراك فيها من أجل ممارسة الرياضة، وشاهدت بداخلها جناحاً لبيع مستحضرات التجميل والعطور.
ظنت أن هذا مشهد شائع في الصالات النسائية، لكنها اكتشفت لاحقاً أن ظنها غير صحيح.
تسكن بيادر في منطقة الدورة ببغداد، وقد جرّبت الاشتراك في أكثر من صالة رياضية في المنطقة، وكان سبب تركها جميع هذه الصالات غياب النظافة والنظام والمدربات المتخصصات.
تقول بيادر: “إن أسعار الاشتراكات في المناطق الشعبية لا تنسجم مع مستوى دخل سكانها، ولا حتى مع ما تقدمه الصالة للمشتركات”.
تقول لـ”جمّار”: “كنت أستغرب من وجود جناح للكوزمتك، أو ركن حلاقة نسائية صغير، أو برّادات لبيع المشروبات الغازية والحلوى”.
وكانت تظن أن جميع الصالات متشابهة في المظاهر السلبية، لكنها جربت لاحقاً صالة في منطقة الكرادة قرب مكان عملها، ووجدت واقعاً مغايراً.

سعر الاشتراك في صالة الكرادة أعلى بكثير من أسعار الصالات في منطقتها، لكنه يوفر مدربة تتابع المشتركات وتجيب على أسئلتهن وتقدم لهن التحفيز، وهو ما جعلها تواصل المِرَان في هذه الصالة مدة سنتين رغم ارتفاع السعر.
وتسلط تجربة بيادر الضوء على ما يجري داخل الصالات الرياضية النسائية وسبب ارتفاع أسعارها مقارنة بالرجالية.
وترى هالة أحمد (30 عاماً)، وهي حائزة على شهادة بكالوريوس في التربية الرياضية، وتعمل مدربة ومديرة صالة رياضية نسائية في منطقة الجادرية وسط بغداد، أن تفاوت أسعار الاشتراكات بين الصالات الرجالية والنسائية في بعض الأحيان يكون “غير مبرر”.
ويعتمد تحديد سعر الاشتراك على موقع النادي الرياضي، ومدى كفاءة العاملين فيه، حسب قولها.
وقد أجرى “جمّار” مسحاً لأسعار الاشتراكات في أكثر من منطقة ببغداد، فكانت النتائج كما مبينة في الجدول أدناه:

مساحات ضيقة
هناك اختلاف في أنواع الأنشطة البدنية المقدمة في الصالات الرياضية النسائية عن تلك الموجودة في الصالات الرجالية، فأغلب تمارين النساء تعتمد على المران الجماعي الذي يُعرف بتمارين “الكارديو”، وصفوف “الزومبا” وغيرها من أنواع التمارين التي تتطلب مساحات واسعة تسمح لهن بالحركة وتحافظ على توزيع الهواء توزيعاُ جيداً.
بينما تعتمد أغلب تمارين الرجال على المقاومة (الحديد)، وهي لا تحتاج غالباً إلى مساحات كبيرة، وإنما تعتمد على الأجهزة الرياضية.
ومن وجهة نظر هالة، يجب ألّا تقل مساحة الصالة الرياضية النسائية عن 800 متر مربع.

تقول هالة لـ”جمّار”: “إن ما هو موجود في العديد من الأحياء الشعبية من صالات رياضية لا تتعدى كونها “دكاكين”، حيث يقوم البعض باقتطاع جزء من منازلهم، أو استئجار محال صغيرة، ووضع بضعة أجهزة رياضية فيها، وتعيين نساء يمتلكن قواماً ممشوقاً بصفة مدربات ليُدرن هذه “الدكاكين”، متناسين ضرورة معرفة طريقة التعامل مع كل حالة، وخطورة الإصابات التي قد تطال المشتركات”.
من جانبها، تؤكد رسل الآلوسي، وهي من خريجات كلية التربية الرياضية، وتعمل مديرة لإحدى الصالات الرياضية في منطقة العامرية غرب بغداد، أهمية المساحات الكبيرة والسقوف المرتفعة عند تأسيس صالة رياضية نسائية، لأن المتدربات بحاجة إلى مساحات كبيرة عند التمرن.

وفيما يخص أسعار الاشتراكات، توضح رسل أنها تعتمد على رؤية مدير المشروع، وتشير إلى وجود اختلاف واضح بين إدارة الرجال والنساء للصالات نسائية.
تعتمد النساء -والحديث لرسل- اللواتي يُدرن صالات رياضية على خوارزمية المنطقة، وعلى دراسة تفصيلية قبل تحديد سعر الاشتراك، مع مراعاة عدد المشتركات المهتمات، وعدد سكان المنطقة، ومتوسط دخلهم الشهري، وكل ذلك يؤدي في النهاية إلى اختلاف الأسعار بين منطقة وأخرى.
لكن الرجال، حسب قولها، يبحثون عن الربح السريع، أما عن تفضيل النساء ارتياد الأماكن ذات السعر الأعلى، فهو ما يجعل اشتراكات النساء ضعف اشتراك الرجال في المنطقة ذاتها، رغم التفاوت في الأجهزة المتوافرة، وأوقات العمل، وحتى مساحة الصالة.
الجودة أم السعر؟
عند سؤال مشتركاتٍ في الصالات الرياضية عن المعايير التي يعتمدنها في اختيار الصالة، أجمعن على أنهن يفضلن الجودة على السعر.
بالنسبة لريا الخفاجي، التي كانت تعاني من سمنة مفرطة، وقررت الاشتراك في صالة رياضية لتغيير نمط حياتها، فإن دفع 80 دولاراً شهرياً لصالة تقدم خدمات جيدة أفضل من دفع 20 دولاراً لصالة أخرى تبيع مكملات غذائية منتهية الصلاحية، أو تُديرها مدربة تثبط العزائم.

كانت ريا قد عانت من الإحباط بسبب المدربة التي كانت تقول لها دائماً “لا ينفعكِ سوى حبوب التنحيف أو عملية قص المعدة”.
وبسبب سماعها هذا الكلام باستمرار، قررت ترك الرياضة وإجراء عملية قص معدة، وبعد إجرائها العملية، قررت ارتياد صالة أخرى، سعر الاشتراك فيها أعلى بأربع مرات من سعر صالتها السابقة، لكنها تضم مدربة محترفة تمنح تحفيزاً متواصلاً.
وعانت فاطمة حسن من مشكلات أيضاً في الصالات منخفضة الثمن.
فعندما ذهبت في أحد الأيام إلى الصالة الرياضية الواقعة قبالة منزلها في منطقة شهداء البياع ببغداد، شاهدت فتاتين تستخدمان جهاز جري واحد للتمرن، فقررت عدم العودة مرة أخرى.
وتقول فاطمة إن سعر الاشتراك في هذه الصالة زهيد مقارنة بصالات في مناطق أخرى، لكن هذا لا يعني “القبول بوجود أطفال بين الأجهزة والأثقال”.

كما أنها تنتقد عدم وجود نظام تهوية مناسب في المكان الذي لا تتجاوز مساحته 200 متر مربع، وهو مزود بجهازَي جري، وجهاز واحد لحركة الذراعين والرجلين (أوبتكال)، وبضعة أجهزة أخرى غير صالحة للاستخدام في الغالب وخارجة عن العمل.
كما أن المدربة في صالة فاطمة تعتمد في كتابة جدول التمارين على مدربة من خارج البلاد، تزودها بالبرنامج التدريبي اعتماداً على الطول والوزن، دون السؤال عن التاريخ المرضي أو الإصابات وغير ذلك.

نشوء “الصالات المختلطة”
غالباً ما توضع المدربة موضع الشكوك في كفاءتها، بينما يحظى المدرب الرجل بالقبول والثقة في هذا المجال، رغم أن بعض المدربات ذوات خبرة في مجالهن لكنهن قلائل، ويعملن في صالات رياضية مرتفعة الأسعار.
وبسبب رغبة متدربات كثيرات في التعامل مع مدرب محترف، وُجدت الصالات المختلطة، وهي غالباً أعلى ثمناً من غيرها.
ولكن ليس جميع المدربين في الصالات المختلطة ذوي كفاءة وخبرة، فمؤيد البياتي عندما استمع إلى نصيحة أصدقائه بالانضمام إلى صالة مختلطة، تعرض لإصابة نتيجة توجيه خاطئ من المدرب، واضطر إلى إجراء عملية جراحية لمعالجتها.
بحسب مدير صالة مختلطة في جانب الكرخ ببغداد، فضّل عدم ذكر اسمه لأسباب شخصية، تبلغ نسبة النساء المتدربات في الصالة 30 بالمئة.
ويقول إن معظم الصالات المختلطة كانت في الأصل رجالية.
حرمان بسبب “تهمة”
النظرة السائدة بأن الصالات الرياضية النسائية هي أماكن للثرثرة فحسب، وترتادها “المسترجلات” فقط، حرمت مروة وليد من تحقيق رغبتها في ممارسة الرياضة لتحسين صحتها.
تعاني مروة (38 عاماً) من متلازمة تكيس المبايض، وقد نصحتها طبيبتها بممارسة الرياضة بوصفها جزءاً من العلاج، لكن زوجها رفض ذلك، لارتفاع أسعار الاشتراكات في الصالات النسائية، ولتأثره بقصة “الثرثرة” و”الاسترجال”.

ويقول البياتي: “إن تبادل الأحاديث بين المتدربين موجود حتى في الصالات الرجالية، وهو أمر طبيعي لا يستدعي تحويله إلى ظاهرة سلبية”.
وكذلك يشير مدير الصالة المختلطة في الكرخ إلى أن تبادل الأحاديث لا يؤثر على التمارين، وأن المتدربات يحرصن على أداء تمارينهن أداءً تاماً.
الترخيص والرقابة
تحث هالة المتدربات على التأكد من حصول الصالة التي يتدربن فيها على ترخيص رسمي، وحيازة المدربة شهادة معتمدة.
كما أنها تشدد على ضرورة تفعيل الدور الرقابي لوزارة الصحة، من خلال إجراء زيارات تفتيشية مفاجئة شهرياً، للتأكد من نظافة الصالات، ومنع بيع المكملات الغذائية غير المرخصة فيها.
لكن اثنين من مديري الصالات النسائية في منطقتين شعبيتين تجنبا التحدث لـ “جمّار” عن موضوع الرقابة، وهو ما علقت عليه هالة بأنه أمر يثير الريبة إزاء بعض الصالات.

وإزاء كل الملاحظات والمخاوف المتعلقة بالصالات الرياضية النسائية، تتساءل ريا عن سبب غياب الصالات الحكومية، وتأثير ذلك على الأسعار.
وتقول إن انعدام وجود المنافس الحكومي يشجع القطاع الخاص على التمسك بأسعار مرتفعة، ولاسيما في الصالات التي توفر مستوى أفضل من النظافة والخدمة والكفاءة.