كل مكان في المدينة يذكرني بالجحيم الذي عشته.. لا أريد البقاء في سنجار (1-5)

س.م / 3 آب 2025

"كبرن في الأسر، وعُدن محمّلات بالكوابيس".. في هذه السلسلة، تروي ناجيات إيزيديات شهادات حيّة عن الاختطاف، والتعذيب، وغسل الذاكرة، ومحاولات النجاة من الموت… ثم من الحياة ذاتها.. القصة الأولى


ينشر جمّار سلسلة من شهادات فتيات إيزيديات نجون من الاختطاف، والاستعباد الجنسي، وتغيير الدين القسري، خلال فترة اختطافهنّ على يد تنظيم داعش بين عامي 2014 و2017.

كانت بعضهنّ طفلات لم يتجاوزن التاسعة من العمر، حين أُخذن من قراهن في تل بنات وكوجو ومئات القرى الإيزيدية في سهل نينوى، شمالي العراق.

الفتيات اللواتي كبرن في الأسر، ثم عُدن إلى قراهن المنكوبة، سردن تجاربهنّ باللغة الكردية للكاتبة تركية شمّو، التي نقلتها إلى العربية وشاركتها مع جمّار.

تمثّل هذه الشهادات توثيقاً مؤلماً عن الحياة بعد النجاة، وعن محاولات مستمرة لاستعادة الأمان الجسدي والنفسي، كما عبّرت إحداهن: “نحاول لملمة ما تبقّى من حياتنا”.

لكن هذا التشافي لا يمكن أن يحدث دون اعتراف ومساندة من المجتمع والدولة، وتطبيق حقيقي لقانون الناجيات الإيزيديات، الذي أقرّ بأن ما تعرّضن له كان إبادة جماعية، وجرائم ضد الإنسانية، بينما لا تزال الفجوة بين النص والتطبيق واسعة.

في جمّار، اخترنا نشر هذه القصص كما وردت في سردهن، دون تعديل في اللغة أو إعادة بناء للنص، احتراماً لحق الناجيات في سرد تجاربهنّ بطريقتهن، وحرصاً على ألّا نفرض عليهن تذكّر ما اخترن نسيانه.

 القصص تتضمن مشاهد مؤلمة وتفاصيل حساسة، وننبه القرّاء والقارئات إلى ذلك مسبقاً، تقديراً لتجاربهم الشخصية مع الألم أو الصدمة.

أنا فتاة إيزيدية، من قرية “تل بنات”، عشت طفولتي مع عائلتي المتواضعة، التي كانت غنيّة بالسعادة رغم قلّة الموارد.  

كنا نسكن في منزل جديد، ونحيا وسط أجواء عائلية دافئة تعمّها الضحكات، وكان للحياة الريفية طابعها الخاص بأصوات الحيوانات وعبق القرى.  

كنت طالبة في الصف الثالث الابتدائي، مجتهدة وأحب مدرستي وأصدقائي، لكن كل ذلك تبدد مع اجتياح داعش لمنطقتنا. 

 في ليلة العيد، كنت قد زرت منزل خالي في قرية “كراني”، قرب معمل إسمنت سنجار، هناك اختُطفتُ في 3 آب 2014ـ أما تاريخ تحريري فكان في 28 آب 2017. 

عند سماعنا بقدوم داعش، حاولنا الفرار إلى قرية “الزليلية” في قضاء سنجار، لكننا فوجئنا بخمس سيارات تابعة للتنظيم تحاصرنا. 

اقتادونا إلى سيطرة “أم الشبابيط”، حيث فصلوا الرجال عنا، وأخذوا أبي وأحد أبناء عمي، وأعدموهم رمياً بالرصاص أمام أعيننا.  

حينها، كنتُ صغيرة جداً لأشاهد هذا المنظر، إعدام أبي أمام عيني، أذكر جيداً عندما بكيت بحرقة بسبب الخوف، وشعرت أنَّ هذا ليس واقعاً إنما حلم.  

 حتى الآن لا أستطيع التخلّص من الصدمة، صدمة صوت الرصاص عند إعدام والدي وابن عمي، وحتى الآن لم نعثر على جثثهم. 

عند منتصف الليل، وصل باصٌ ونقلونا بسرعة إلى سجن بادوش، بقينا هناك قرابة أسبوع في ظروف قاسية، قبل أن يُقصف السجن بالطائرات.  

بعدها، قام التنظيم بنقلنا إلى مدرسة في قضاء تلعفر، وهناك أيضاً تعرضت المدرسة للقصف، فنقلونا مجدداً إلى مدرسة كبيرة حمراء في قضاء سنجار. 

في المدرسة، جاء مقاتلو تنظيم داعش، معظمهم من سوريا، يبحثون عن الفتيات الصغيرات. 

قام أحدهم بسحبي من شعري وضَربني، ووضع مسدساً على رأسي أمام الجميع، مهدداً بقتلي، تدخّلت جدتي متوسلة إليه أن يتركني، حتى فقدتُ الوعي من شدّة الخوف.  

عندما استعدتُ وعيي، أخبرتني جدتي أنهم أخذوا العديد من الفتيات إلى سوريا، بينما تعرضتُ أنا للضرب ولم يأخذوني. لاحقاً، نُقلنا بين عدّة مدارس خوفاً من القصف، وكان عدد الفتيات المختطفات كبيراً.  

في إحدى المدارس في تلعفر، التقيت بفتيات من قرية “كوجو”، قبل أن ينقلوهن إلى سوريا، أمّا نحن فنقلونا إلى قرية “كسر محراب”، ثمّ حي الخضراء في تلعفر. 

في هذه الفترة، كانت النساء الأكبر منّا، يخفيننا في صناديق خشبية أو برّادات، كلما اقتحم مقاتلو داعش المكان بحثاً عن فتيات. 

في حي الخضراء، كنا محاصرين، وكانت النساء الحوامل من بيننا تعانين بشدة، ثم بعدها نقلونا إلى روضة في تلعفر، هناك تعرضنا لعملية غسل دماغ، وأجبرونا على تعلّم القرآن والصلاة وارتداء النقاب، رغم صغر سننا.  

بقيت هناك مدة عام تقريباً، وخلال شهر رمضان، إحدى النساء في تنظيم داعش، وضعت لنا السّمَّ في الدولمة، (من الأطعمة الشعبية المحببة في العراق)، مما أدى إلى وفاة العديد من الأطفال، بينما نُقل من نجا إلى المستشفى، ولا تزال معدتي تعاني من أثر السّمّ حتى اليوم. 

بعد ذلك، بدأ التنظيم بإجراء “قرعة” للفتيات، لتحديد مصيرهنَّ، إما السبي والاغتصاب أو الخدمة المنزلية. 

اختاروني لخدمة منزل “أبي عائشة”، وهو أمير في تنظيم داعش بقضاء تلعفر، حيث تعرضتُ لأبشع أنواع التعذيب والضرب.  

لقد كسر أربعة من أصابعي، وكانت زوجته تشكو مني وتقول له: “ما تنظف البيت وما تشتغل”، وكان يضربني. كنت صغيرة، وكنت أشعر بالموت مليون مرة في اليوم.  

أين هم أهلي؟ ما كنت أعرف ماذا سيحدث لي، مرات كثيرة لم أستطع الوقوف على قدمي بسبب الوجع، والطعام لم يكن كافياً، يكفي كي لا نموت من الجوع فقط. 

كان مثل وحش لا يعرف الرحمة، يضربني بـ “الزنجير” ويتركني تحت المطر مكبّلة بالسلاسل، وكنتُ مجبرة على تنظيف منازله الأربعة، ورعاية أطفاله، وأحياناً كانوا يحرمونني من الطعام أياماً. 

 بسبب عمري الصغير حينها، لم أتعرض للاغتصاب، لكني تعرضتُ للبيع عدة مرات، في إحدى المرات، باعني “أبو عائشة” لرجل مسنّ عمره 70 عاماً، توسلت إلى عائلته كي لا يعتدي عليّ، ثم أعادني إلى “أبي عائشة”، ليبيعني مجدداً لرجل آخر.  

كان “أبو عائشة” يقتل الأسرى بالسكاكين والسواطير، ويدرّب أطفاله على تنفيذ الإعدامات. ذات مرّة، حاولوا تدريبي على القتل، لكنّي رفضت بشدّة، فهددوني بقتل عائلتي.  

في كل ليلة، كان “أبو عائشة” يختار فتاة إيزيدية ليغتصبها، وكنتُ أسمع صرخاتهن عند اغتصابهن، أصواتهن ما تزال ترنّ في أذني حتى اليوم. 

كان التحدث بلغتنا الأم (الكردية) ممنوعاً، ويُمنع التحدث حتى بالعربية، وكان التواصل بالتركمانية حصراُ، لأن “أبا عائشة” كان تركمانياً، وكانت عائلته تتحدث بالتركمانية (من اللهجات التركية)، لذلك قالوا: “لازم تحجين مثلنا”. 

 عندما بدأ الوضع في الموصل بالتدهور، ادّعى التنظيم أنه سيسمح لنا بالعودة إلى عائلاتنا، لكن في الواقع، كانت هناك خطة لقتلنا جميعاً. 

أعطونا أحزمة ناسفة، وطلبوا منا ارتداءها لتفجير أنفسنا عند لقاء عائلاتنا، لكنني وصديقتي تمكّنا من قطع أسلاك الأحزمة الناسفة. كانت مغامرة، لأننا كنا نسمع كثيراً عن الأحزمة الناسفة، والسيارات المفخخة، والقتل، وذبح الناس.  

عندما شاهدنا الحزام الناسف، عرفنا أن هذا كان مخططاً، بصراحة حتّى الآن لا أعرف كيف لم ينفجر، كل شيء كان معجزة، حالياً لا أصدق كيف هربنا وكيف تحملنا كل هذا العذاب.  

 في ذلك الوقت، لم نكن نعرف، لكن ما أعرفه أنّ كل شيء كان معجزة وحظاً ونصيباً. شعورنا لم يكن موجوداً، كنا نعيش بين لحظات الموت، كانت دقات قلبي تتسارع، وكنت أشعر أننا سنموت، ولكن الحمد لله لم أكن وحدي، كان معي بنات أخريات، وكأننا كنا نقول إما التحرير أو الموت. 

لم يكن التحرير نهاية المعاناة، بل بداية رحلة جديدة من الألم النفسي، كنتُ قد فقدتُ ذاكرتي جزئياً بسبب عمليات غسل الدماغ، ولم أتمكن حتى من التعرف على إخوتي. 

لم أتعرض للاغتصاب لأنني، كما قلت سابقاً، وقع اختياري بالقرعة من أجل الخدمة المنزلية، وليس السبي، وكان “أبو عائشة” قد اتفق مع لجنة القرعة أن يأخذني للتنظيف، لأن لديه العديد من الفتيات، وكان يغتصبهنَّ يومياً. 

كنا نتعرض لغسل الدماغ وتعليم القرآن والصلاة، وكان له أثر كبير في فقدان ذاكرتي، بالإضافة إلى التعذيب أيضاً، كنت صغيرة وكان لذلك تأثير كبير عليّ.  

عند عودتي إلى البيت، لم أتعرّف على عائلتي، لكن مع الوقت تغير ذلك، ما كانت تعاني منه ذاكرتي هو نسيان الوجوه، لم أكن أتذكرها، لكن الأسماء كنت أتذكرها قليلاً، وكنت أتذكّر بعض اللحظات قبل أن تأسرني داعش. 

حاولتُ العودة إلى المدرسة، لكنني لم أستطع المتابعة بسبب الصدمة النفسية. حتى اليوم، أعاني من الكوابيس، وأسمع صرخات الفتيات اللواتي اغتُصبن وتعذبن معي.  

لم أعد قادرة على العيش في سنجار، أو أي مكان يذكرني بالماضي، كل زاوية في هذه المدينة تذكرني بالجحيم الذي عشته.  

أنا اليوم أعيش في انتظار فرصة للخروج من العراق، بحثاً عن حياة جديدة، بعيداً عن كوابيس الماضي، بعد أن دمّر داعش طفولتي وأحلامي ومستقبلي. 

مراراً وتكراراً حاولت أن أتعافَ، وذهبت إلى معالجين نفسيين، لكن كل محاولاتي باءت بالفشل، بسبب الصدمة التي لم أتعافَ منها.  

تلاحقني كوابيس التعذيب الذي تعرضنا له، ما يزال التعذيب محفوراً بذاكرتي، ومع ذلك، فإن معظم الدواعش الذين ارتكبوا هذه الجرائم ما زالوا أحراراً، بينما نحن الناجيات ما زلنا نحاول لملمة ما تبقّى من حياتنا.  

لقد دمروا حياتنا، لكن أين العدالة؟ إلى أين أوصلتنا هذه الحياة؟ لماذا كل هذا الظلم، فقط لأننا وُلدنا إيزيديين؟