“وصفة الانهيار”… مّا تتعرّض له زينب جواد وأُخريات 

لميس جورج / 5 آب 2025

هذه ليست جرائم فردية فحسب، بل هي أعراض لمرض اجتماعي أعمق، حيث تُجرّد المرأة من حقوقها الإنسانية الأساسية، ويُنظر إليها على أنها كائن هش لا يُسامح إن أخطأ، ولا يُحمى إن استُهدف.. عمّا تتعرّض له زينب جواد وأُخريات


مساء 28 حزيران 2025 وأثناء عودتها من أربيل إلى بغداد، اعتقلت قوة تابعة لأمن الحشد الشعبي المحاميةَ والناشطةَ الحقوقية زينب جواد، وسرعان ما أثارت الحادثة الرأي العام، وعبّر المرصد العراقي لحقوق الإنسان عن “قلقه البالغ”، وطالب بالكشف الفوري عن مصير المحامية، مؤكداً أن “الاعتقالات بناءً على مواقف سياسية أو انتقادات دون تُهمٍ واضحة تعد انتهاكاً لحرية التعبير”. 

بعد الاحتجاز بنحو شهر، انتشرت صور شخصية لزينب جواد على نطاق واسع، وتداولت بعض الحسابات الوهمية وغير الوهمية، ذات الخطاب المقرّب من الفصائل المسلحة والحشد الشعبي، هذه الصور على أنها “فضيحة”، بينما دافع الكثيرون عنها، متهمين أمن الحشد بتسريب هذه الصور بعد الاستيلاء عليها من هاتفها أثناء احتجازها، لتعود زينب وقضيتها مرة أخرى إلى الواجهة. 

يكشف اعتقال زينب جواد وتسريب صورها، مرّة أخرى، عن مشكلة تمدّد السلطة الأمنية خارج إطار الدولة ومؤسساتها القضائية. فـما حدث لها -إذا ما ثبت أن أمن الحشد هو من سرّب الصور- ليس تأديباً قانونياً داخل فضاء الدولة، بل هو تكرار لسيناريو تقوم بموجبه فصائل مدعومة إقليمياً بفرض رقابتها، وتأديب من ينتقدها خارج القوانين والأنظمة باسم “الشرف الوطني” أو “حماية المقاومة”، مما يؤشر إلى توسع انفلات السلطة الشرعية لصالح قوة موازية لا تخضع للرقابة القانونية والدستورية. 

المرأة بوصفها ضحية مزدوجة 

تجد المرأة نفسها في العراق عرضة ليس للعنف الثقافي والتشهير فحسب، بل للابتزاز الاجتماعي والقانوني أيضاً على خلفيات سياسية. ومن جهة أخرى فإن الاستثمار الانتهازي في قضايا حقوق الإنسان والمرأة، لا من منطلق المبدأ، بل كونه أداة لصناعة رأي عام بهدف سياسي، أو لتبييض الصورة في موسم الانتخابات، يُعَدُ تجارةً رائجة ومربحة لبعض الساسة والشخصيات، واضعين المرأة بين جدارَي القمع والاستثمار السياسي.. ولا تُترَكُ قضية المحامية زينب جواد وغيرها من قضايا النساء لتمضي في مسار العدالة، بل كثيراً ما تُختطف من قبل متسلقين سياسيين، من أجل استثمارها استثماراً انتهازياً لصالح أجنداتهم الخاصة، ليس دفاعاً عن المرأة، ولا احتراماً لمكانتها، بل لتكون أوراق ضغط، أو أداة دعاية، أو مبارزة بين الأحزاب والكتل السياسية. 

نشهد اليوم في العراق خطاباً مزدوجاً، فبينما تُمارس أشكال العنف والتهديد والتشهير ضد النساء الناشطات، نجد أن بعض الأصوات السياسية تتسابق إلى ركوب الموجة، وتصدر بيانات، وتطلق شعارات، وتحاول رسم صورة المدافع عن “حقوق المرأة”، وهي ذات الجهات التي كانت – أو لا تزال – جزءاً من منظومة التمييز أو الصمت المريب. 

تكشف هذه الازدواجية عن استعمال المرأة بوصفها رمزاً إعلامياً، لا بوصفها إنساناً يتمتع بالحقوق، وتُجمع من قضيتها نقاط سياسية أو أخلاقية زائفة، لصناعة بطولة وهمية، أو لإحراج خصم سياسي، وليس لتفكيك المنظومة التي أنتجت هذا القهر أصلاً. 

وهنا تتضاعف المأساة، فالمرأة ليست ضحية قمع السلطة والميليشيا فحسب، بل أداة في مسرحية سياسية تنظر إليها على أنها وسيلة للتأثير، لا هدفاً للحماية. 

الثمن الباهظ 

تدفع المرأة العراقية ثمناً مضاعفاً، فهي، وإن كانت جزءاً من المجتمع، إلّا أنها غالباً ما تكون بصدارة ضحايا الفوضى الأخلاقية. وخلال السنوات الماضية صار التشهير بالنساء ومحاولة ابتزازهن عبر الفضاء الإلكتروني شكلاً حديثاً من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي. 

تتحول منصات التواصل الاجتماعي، في ظل غياب القانون والوعي المجتمعي، إلى ساحات للترهيب والتشهير، حيث تُستغل الصور الشخصية أو المحادثات الخاصة لتدمير سمعة المرأة، أو إجبارها على الخضوع لمطالب خبيثة. والمقلق أن كثيراً من الضحايا يخترن الصمت خوفاً من الفضيحة أو “عار” المجتمع، في حين يفلت الجاني من العقاب غالباً، بل قد يُحاط بحماية عشائرية، أو يُبرر فعله على أساس “الشرف”. 

هذه ليست جرائم فردية فحسب، بل هي أعراض لمرض اجتماعي أعمق، حيث تُجرد المرأة من حقوقها الإنسانية الأساسية، ويُنظر إليها على أنها كائن هش لا يُسامح إن أخطأ، ولا يُحمى إن استُهدف. 

ولن يكون ما تعرّضت له زينب جواد ومن قبلها نساء عراقيات أخريات، سوى مقدمة لانهيار مجتمعي أكبر، إذا لم تُفعّل القوانين الرادعة بصرامة، ولم تُكثّف حملات التوعية، ولم يُعاد بناء المنظومة القيمية التي تضع كرامة الإنسان -نساءً ورجالاً- في صلبها. 

الانهيار 

يلاحظ من ينظر بتمعّن إلى واقع المجتمع العراقي اليوم، على تنوع معتقداته ومذاهبه وانتماءاته الفكرية، حالة التدهور الأخلاقي والانحسار القيمي، ومشاهد الفساد، وتفكك العلاقات الاجتماعية، وازدياد العنف اللفظي والجسدي، واللامبالاة تجاه الصالح العام، كل ذلك إلى جانب مؤشرات أخرى، ينذر بخطر كبير يتجاوز البعد الاجتماعي إلى التهديد الوجودي لمفهوم الدولة والمجتمع معاً. 

عبر التاريخ، مرّت المجتمعات البشرية بأزمات أخلاقية، لكنها في العادة كانت مرتبطة بتحولات سياسية أو اقتصادية. أما في العراق، فالأمر يبدو أكثر تعقيداً، فالأخلاق هنا لا تتراجع بسبب الفقر أو الحرب فقط، بل لأنها باتت تُفهم فهماً مغلوطاً، أو تُستبدل بمفاهيم زائفة من الولاء والطائفية والمحسوبية، حتى أصبح النزيه يُعزل، والفاسد يُكافَأ. 

لا يمكن إنكار أن العراق تعرّض، خلال العقود الماضية، لضربات قاسية، حروب عبثية، وحصار خانق، واحتلال أجنبي، واقتتال داخلي، وانقسامات سياسية وطائفية، هذه التجارب المروعة ضربت بنية الدولة، وأفقدت المجتمع بوصلته الأخلاقية. فعندما تتفكك مؤسسات العدالة، وتنهار منظومة التعليم، وتغيب القدوة، تتآكل القيم من الداخل وتصبح المجتمعات عرضة للانهيار. 

المفارقة أن مظاهر التدين قد ازدادت، بينما تراجعت القيم التي يكون الدين في جوهره ركيزة لها، فأصبح التدين طقساً وشعارات، دون أثر سلوكي، وهذه الازدواجية الأخلاقية تُسهم في خلق مجتمع يعيش حالة من الانفصام، فهو يدّعي الفضيلة ويمارس ما يعاكسها. 

لكن، ورغم هذا الواقع، فالمجتمعات لا تموت بسهولة، طالما بقي فيها من يقاوم الانحدار، ويواجه التلوّث الأخلاقي بالصوت أو بالموقف، وفي الفضاء العراقي العام، هنالك من يعمل من أجل قيم العدالة والكرامة والصدق، لكنّ الأمر بحاجة لثورة حقيقية، تبدأ من التربية والتعليم، ولا تنتهي بالإعلام ورجال الدين. الآن، أكثر من أيّ وقت مضى، يحتاج العراق إلى خطاب يعيد تعريف المواطنة والأخلاق، ويؤسس لفكرة أن الانتماء للعراق يجب أن يكون أولاً وأخيراً انتماءً للإنسان والكرامة والعدالة، بدلاً من الانتماء إلى الفئة أو المذهب أو الفصيل المسلّح، وأن للمرأة حقوقاً لا تنقص عن حقوق الرجل، ولا بدّ أن يجد القانون مكاناً للتطبيق من أجل إعادة حقّ زينب ومحاسبة من شهّر بها وبرّر ذلك، ومنع تعرّض أخريات لما تعرّضت له. 

  • تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج“.