ينشر جمّار سلسلة من شهادات فتيات إيزيديات نجون من الاختطاف، والاستعباد الجنسي، وتغيير الدين القسري، خلال فترة اختطافهنّ على يد تنظيم داعش بين عامي 2014 و2017.
كانت بعضهنّ طفلات لم يتجاوزن التاسعة من العمر، حين أُخذن من قراهن في تل بنات وكوجو ومئات القرى الإيزيدية في سهل نينوى، شمالي العراق.
الفتيات اللواتي كبرن في الأسر، ثم عُدن إلى قراهن المنكوبة، سردن تجاربهنّ باللغة الكردية للكاتبة تركية شمّو، التي نقلتها إلى العربية وشاركتها مع جمّار.
تمثّل هذه الشهادات توثيقاً مؤلماً عن الحياة بعد النجاة، وعن محاولات مستمرة لاستعادة الأمان الجسدي والنفسي، كما عبّرت إحداهن: “نحاول لملمة ما تبقّى من حياتنا”.
لكن هذا التشافي لا يمكن أن يحدث دون اعتراف ومساندة من المجتمع والدولة، وتطبيق حقيقي لقانون الناجيات الإيزيديات، الذي أقرّ بأن ما تعرّضن له كان إبادة جماعية، وجرائم ضد الإنسانية، بينما لا تزال الفجوة بين النص والتطبيق واسعة.
في جمّار، اخترنا نشر هذه القصص كما وردت في سردهن، دون تعديل في اللغة أو إعادة بناء للنص، احتراماً لحق الناجيات في سرد تجاربهنّ بطريقتهن، وحرصاً على ألّا نفرض عليهن تذكّر ما اخترن نسيانه.
القصص تتضمن مشاهد مؤلمة وتفاصيل حساسة، وننبه القرّاء والقارئات إلى ذلك مسبقاً، تقديراً لتجاربهم الشخصية مع الألم أو الصدمة.

عندما اختطفونا، كانت اللحظات صعبة، الأيام كلها كانت متشابهة، الانتقال من مكان إلى آخر، من مدينة إلى أخرى.
في سوريا، كنت أسمع صوت القصف والطائرات، وكنت شاهدة على تعذيب الأخريات.
خلال فترة السبي، باعوني ست مرات، وفي كل مرة كانت قصة مختلفة، تعذيب وضرب وصلاة، واغتصاب وإهانة، وتعذيب نفسي.
لا شيء أستطيع قوله بسبب نفسيتي، لأنني أتعب ولا أستطيع التحدث بتفاصيل دقيقة حول الاغتصاب، هذا الوجع كبير، لا يمكن تجاوزه بمرور الزمن، الأيام لن تنسيني هذه اللحظات.
كانت حياتنا تمضي بصورة طبيعية بين الحلو والمر، رغم بساطتها، كنا نعيش بين الزراعة وتربية المواشي، وننتقل إلى ربيعة من أجل الزراعة.
ورغم الفقر، كنا سعداء، نعيش بسلام ونستمتع بطفولتنا كما يجب، لكن كل شيء تغير عام 2014، حين بدأت قصتنا تتحول إلى كابوس مرعب، إلى عالم من الظلم والقهر.
كنت في التاسعة من عمري عندما اجتاح “داعش” قضاء سنجار، وكنا عائلة مكونة من 11 شخصاً.
لم يمر وقت طويل حتى وقعنا في قبضتهم في منطقة قنديل بسنجار، لم أكن أفهم ما الذي يحدث، لكنني كنت أرى الخوف في عيون الجميع، أخذونا إلى دائرة النفوس، لأنها كانت بداية دخولهم إلى سنجار، وهي دائرة حكومية، بعد ذلك نقلونا إلى سجن بادوش، الذي يقع في مدينة الموصل.
هناك بقينا فترة، بعد ذلك، نقلونا إلى مدرسة في تلعفر، حيث تنقلنا بين عدة أماكن، من بينها كسر محراب وقزل قيو التابعة لقضاء تلعفر.
لم أكن أعي أن هذه اللحظات كانت بداية معاناتي، بداية فصل جديد من الظلم الذي لا ينتهي.
بعد مرور فترة، فرّقوني عن عائلتي، ولم أرَ أحداً منهم منذ ذلك الحين. بقيت أتنقل من مكان إلى آخر، دون أن أفهم ما الذي يحدث، ثم جاء عناصر داعش، وبدأوا توزيع الفتيات كما لو كنَّ ممتلكات، وكأننا لا نملك الحق حتى في وجودنا.

كل عنصر أخذ “حصته” منّا، وكنت أنا من ضمن “الحصص” الموزعة، طفلة صغيرة لم تتجاوز التاسعة، تحولت فجأة إلى سبية، تحولتُ إلى جارية.
أخذني أحدهم إلى الموصل، وهناك بدأت قصتي، جارية يتعاملون معها بلا رحمة، رأيت كل أنواع العذاب، وعشت حياةً أشبه بالجحيم، كنت أتمنى الموت في كل لحظة، لكن حتى هذا الخيار لم يكن متاحاً لي.
في كل مرة كانوا يبيعونني، كنت أموت ألف مرة، خلال خمس سنوات، باعوني ست مرات، وكانوا يتاجرون بنا كما لو كنا بضائع، لم يكن البيع دائماً من أجل المال، ففي بعض الأحيان، كانت الفتيات تُقدّم هدايا لمقاتلي داعش المنتصرين في المعارك، كنّا جوائز حرب لهم.
لم يتوقف الأمر عند البيع والشراء، بل كانوا يجبروننا على تعلم القرآن والصلاة، ومن ترفض، كان مصيرها التعذيب، والضرب، وأحياناً القتل، لم نكن نعرف الفرق بين الليل والنهار، فالخوف كان يحكم حياتنا، وكنا نُمضي ليالينا بلا نوم، ننتظر المجهول فقط.
في إحدى المرات، كنت في شقة بمدينة الرقة السورية، قصفت الطائرات، لم أفهم ما الذي يحدث، لكنني بقيت طوال الليل أرتجف من الخوف، أنتظر الموت في أي لحظة.
لم أكن أعرف إن كنت سأخرج من هناك حية أم لا. ظل ذلك الموقف يطاردني حتى اليوم، فأي صوت مفاجئ أو باب يُفتح بقوة يعيد إليَّ ذكريات ذلك الليل المرعب.
بعد فترة، نُقلت إلى سوريا، حيث تنقلوا بي بين عدة مناطق، من إدلب إلى حلب، ومن باغوز إلى أماكن أخرى لا أتذكر أسماءها.
كنت طفلة، لكنني كنت أعيش أفظع أنواع العذاب، في إحدى المرات، أخذوني إلى الصحراء، ففي المدن السورية الواقعة تحت سيطرة داعش، كانوا يأخذون الفتيات كل مرة إلى مكان بهدف البيع والشراء، أو بسبب القصف، لقد عشت أياماً سوداء لا يمكن نسيانها، كل دقيقة كانت تمر كأنها سنوات، بسبب الألم والتعذيب.
خلال خمس سنوات من العبودية، تعرضت لجميع أنواع العنف، لم يبقَ نوع من التعذيب إلا وقد مارسه عناصر داعش ضدنا.
كنا نُحتَجز في سجونهم، لكن حتى السجون بدت لنا أرحم من الحياة التي كنا نعيشها، كنا نُعامَل كالحيوانات، بلا أدنى حقوق، بلا رحمة، بلا أدنى شعور بالإنسانية من قِبل خاطفينا.
في المرحلة الأخيرة، نُقلت إلى مخيم الهول، وهناك بقيت خمسة أشهر، لم تكن تلك الأشهر وقتاً يُضاف إلى سنوات المعاناة فحسب، بل كانت من أسوأ الفترات في حياتي.
المخيم كان يعج بالنساء اللواتي تعرضن للجحيم الذي تعرضت له، لكنه لم يكن سوى امتداداً للسجن الذي كنا فيه.
أرى أن المخيم كان سجناً أيضاً، فوجوه النساء اللواتي كنّ في المخيم لا فرق بينها وبين وجوه مقاتلي داعش، هؤلاء النساء أيضاً كن مشاركات في عمليات القتل والاغتصاب.
العذاب كان في الأكل والصحة أيضاً، كانت حياة مخيم الهول صعبة من كل النواحي، خاصة الأمنية.
لم نكن نستطيع أن نكشف عن هوياتنا، أكثر شيء كرهته كان معاملة النساء وأفكارهن.
في عام 2019، تحررنا من المخيم بفضل “بيت الإيزيدي” في سوريا، وهم أيضاً إيزيديون من سوريا، كان هناك تنسيق بين البيت الإيزيدي وقوات قسد الذين تمكنوا من إنقاذي وإخراجي من هناك.
بعد تحريرنا، نقلونا إلى مخيم زاخو، هناك التقيت ببعض أفراد أسرتي (إخوتي وأمي)، الذين تحرروا هم أيضاً.
لكنّ شقيقاتي الست ما زال مصيرهنّ مجهولاً، ولا نعرف مصيرهنّ حتى اليوم، كل واحدة منا لها قصتها الخاصة مع السجون، والبيع، والتعذيب، والانتهاكات التي لا يمكن وصفها، ما زلن لم يبحن بقصتهنّ بعد.
حين عدت إلى سنجار، لم أجد مدينتي كما تركتها، كل شيء كان مدمَّراً، وكأن الحرب لم تترك شيئاً قائماً، ومع ذلك، كنت أواجه معركة جديدة، الحياة في مدينة بلا خدمات، بلا أمان، بلا حقوق. الحكومة لم تقدم لنا شيئاً سوى الوعود، لكن لا شيء من تلك الوعود تحوّل إلى واقع.
استقبال كل ناجية يكون “بالزغاريد والشوكولاتة”، والمجتمع الإيزيدي هو الداعم الأساسي لعودتهن، حتى إنهم يشترون البنات المخطوفات بمبالغ مالية طائلة لاستعادتهن من مقاتلي داعش.
تعامل المجتمع كان جيداً معنا، العديد من الزعماء الروحيين الإيزيديين أكدوا أن هؤلاء النساء هن “بناتنا”، وأن ما مررن به يجب ألّا يُعدّ عاراً، بل على العكس، هن قديسات، وقدموا دعماً نفسياً واجتماعياً لنا.
مرر البرلمان العراقي قانون “الناجيات الإيزيديات” عام 2021، الذي نص على إنشاء مركز تأهيلي لنا، لكن هذا القانون لم يُنفذ حتى الآن.

منحنا القانون حقوقنا في التعليم، والراتب، وقطع الأراضي، والتوظيف، وكان القانون مجموعة من الوعود التي ما تزال “حبراً على ورق”.
الدعم النفسي والاجتماعي لم نحصل عليه من الحكومة، بل كان بفضل منظمات المجتمع المدني والمبادرات مثل مبادرة نادية مراد. أما قطع الأراضي التي وُعدنا بها، فقد استلم عدد قليل فقط من الناجيات نصيبهن، بينما بقيت الأغلبية في قائمة الانتظار. يقال إنه لا توجد أراضٍ متاحة ضمن بلدية سنجار، لكننا نعلم أن هذا عذر لإطالة معاناتنا، لم أحصل على أرض، ولكن أخذت راتباً شهرياً لأني “ناجية”.
عندما عدت، استُقبلت بحفاوة كبيرة، وعدُّوني قديسة بين أبناء مجتمعي، الجميع كان يفتخر بنا لأننا ناجيات، ما حدث لنا كان وصمة عار على جبين الإنسانية، لكن في المقابل، لا تزال حقوق المرأة في سنجار مهملة، وخاصةً حقوق الناجيات.
الكثير من الناجيات لم يستطعن البقاء هنا، رحلن إلى أوروبا بحثاً عن حياة جديدة، بعيداً عن الذكريات التي تلاحقهن في كل زاوية من هذه المدينة. أما أنا، فلا يزال الخوف يسيطر عليّ، فكل منطقة في سنجار، وكل شارع في الموصل، وكل طريق في تلعفر أو البعاج يذكرني بوحشية داعش، ويجعلني أتساءل، هل يمكنني العيش هنا؟ هل يمكنني تجاوز هذا الألم؟
رغم كل ما مررت به، لا تزال الأسئلة تدور في ذهني، لماذا حدث كل هذا لنا؟ لماذا كل هذا الظلم؟ وإلى متى سنظل نحمل هذا الجرح دون أن نرى العدالة؟