تسارعت المواجهة داخل “البيت الشيعي” في العراق خلال الأسبوعين الأخيرين، من اشتباكٍ مسلّح في دائرة حكومية إلى قرارات بإقالة قادة في “الحشد الشعبي”، ثم سجالٍ علني بين رئيس الحكومة وكتائب حزب الله، فيما يعود النجف إلى المشهد بخطابٍ واضح لحصر السلاح بيد الدولة، على وقع ضغوطٍ أمريكية لمنع تشريعٍ جديد للحشد، وحراكٍ إيراني موازٍ لتثبيت نفوذ الفصائل، وربما الاستعداد لفصل جديد من الحرب.
الشرارة انطلقت في 27 تموز الماضي، حين اقتحم مسلحون مقر دائرة الزراعة جانب الكرخ من بغداد بعد قرار تبديل مديرها، تطوّر الموقف إلى اشتباكٍ مع الشرطة الاتحادية أوقع قتلى وجرحى وأدى إلى توقيفات.
في التاسع من آب صادق رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، على توصيات لجنة تحقيق نسبت الاقتحام لعناصر من كتائب حزب الله منتسبين إلى اللواءين 45 و46 ضمن الحشد الشعبي، وأكدت تحرك القوة خارج الأوامر، لتُتخذ إجراءات شملت إعفاء آمرَي اللواءين، وإحالة متورطين إلى القضاء، وفتح تحقيقٍ في مسألة القيادة والسيطرة داخل هيئة الحشد.
تعد مقاربة الحكومة في ملف الفصائل غير مسبوقة، وتظهر استعداداً لاختبار حدود النفوذ المسلح، وتقف كتائب حزب الله، بوصفها إحدى أكبر الفصائل المسلحة، وأكثرها قرباً من الحرس الثوري، على أنها نموذج اختبار في هذه المقاربة.

ردُّ كتائب حزب الله جاء على موجتين، الأولى في بيان الرابع من آب حيث وصف ما جرى بـ”الفخّ”، واتهم أجهزة داخل الدولة و”جهات أجنبية” بالتدخّل، مع تشكيكٍ بخبرات السوداني العسكرية، ثم صدر بيانٌ لاحق في 10 آب اتهم الحكومة بـ”تزييف التحقيقات”، وطالب بلجنة “محايدة” يشرف عليها قادة “الإطار التنسيقي”.

بيانات الكتائب وتصريحات قادتها العسكريين كشفت أن الفصيل لا يتعامل مع الحادثة بوصفها ملفاً انضباطياً معزولاً، بل محاولة لإعادة ترسيم ميزان القوة داخل بغداد و”طوقها” (حسب ما سمّت المناطق الزراعية التي تحيط بالعاصمة)، وتتخذ الجماعة من أراضيها المملوكة للدولة مشاريع تجارية، بعد أن قامت بتقسيمها وتحويلها إلى مناطق سكنية.
رغم ذلك، لم يتدخل الإطار التنسيقي، على أنه إطار جامع للقوى الشيعية، في النزاع بين الكتائب ورد السوداني عليه.
في المقابل، ركّز السوداني على رسالة “لا سلاح خارج مؤسسات الدولة”، مع حرصٍ على القول: “إن الإجراءات لا تستهدف جهة بعينها”. لكن توقيت القرارات وسقفها القانوني يضعان مكتبه في تماسٍ مباشر مع فصيلٍ يعد نفسه جزءاً من “ردع” النفوذ الأمريكي في المنطقة، ويستند إلى تاريخ تعبئةٍ قتالية منذ 2003.
ما يعقّد المشهد مع كتائب حزب الله، هو أنها جزء محمي بالقانون ضمن الحشد الشعبي منذ عام 2016، لكن ميدانيّاً، تحتفظ تشكيلات الفصيل بهوامش قرارٍ وأذرعٍ اقتصادية وسياسية.
قال مصدر سياسي مطلع على قضيّة النزاع بين السوداني والكتائب: “إن النزاع بين الطرفين يتطور منذ أشهر، لكنه لم يظهر للعلن، والمنازلة التي جرت في زراعة الدورة أرادها السوداني لإثبات قوته أمام الكتائب، بينما الكتائب في المقابل لطالما خشيت وقوع صدام”. لافتاً إلى أن “الكتائب تراهن على الزمن.. تراهن على إبعاد السوداني عن رئاسة الوزراء”.
على العكس من ذلك، يحلم السوداني بأن ترمي كتائب حزب الله سلاحها كما فعل حزب العمال الكردستاني، حسب ما يروي المصدر: “هو حلم بعيد لن نراه في العراق، لكن حلم يضمن للسوداني الضغط على الكتائب لتحقيق هدفين: التقرب من واشنطن أكثر، ووضع حدود جديدة في العلاقة مع إيران”.
فوق هذا الاشتباك المحلي، يدور نزاعٌ تشريعي حول قانون الحشد الشعبي الجديد. واشنطن أوضحت لقنواتٍ عراقية وإعلامية أنها تعارض أي نصّ “يُحصّن” الفصائل بوصفها قوة قائمة بذاتها موازية لمؤسسات الدولة.
وفي 13 آب، حذّر السيناتور جيمس ريش، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، من دمج “الجماعات المسلحة التابعة لإيران” في الجيش العراقي دون نزع سلاحها، لأن ذلك يفتح “باباً خلفياً” أمام إيران لإضعاف سيادة العراق، داعياً بغداد إلى الاختيار بين “العودة نحو إيران أو الانفتاح على الغرب”.

يتزامن ذلك مع حديثٍ متصاعد في مراكز بحوث أمريكية عن عواقب “صارمة” قد تشمل عقوبات وتعديل طبيعة الشراكة بين واشنطن وبغداد.
وقد أدى الضغط الأمريكي إلى تأجيل تمرير القانون في البرلمان خلال الأسابيع الماضية.
بالتوازي، دخل النجف على الخطّ، إذ جدّد الشيخ عبد المهدي الكربلائي، ممثل المرجع علي السيستاني، في تموز الماضي، الدعوةَ إلى حصر السلاح، وتقوية مؤسسات الدولة، ومكافحة الفساد في أول خطابٍ علني بهذه الصراحة منذ تظاهرات تشرين الأول عام 2019.
الرسالة قرأتها قوى سياسية وأمنية وعدتها غطاءً أخلاقياً وقيمياً لأي مسار يُعيد ميزان القوة للدولة، مع ما يعنيه ذلك من مراجعةٍ لانتشار الفصائل وأدوارها خارج ساحات العمليات التقليدية.
على خطٍ آخر، تحرّكت طهران سياسياً وأمنياً. فقد زار علي لاريجاني، أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، بغداد في 11–12 آب، ووقّع مذكرة تفاهم أمنية “غير معلنة التفاصيل” في توقيتٍ مهم لضبط العراق، الذي يشهد تذبذباً في مواقفه من إيران منذ خوض حرب الإثني عشر يوماً بين تل أبيب وطهران.

قال مستشار سياسي لقوّة سياسية مقرّبة من السوداني: “هناك تحليل متكرر للوضع السياسي في العراق يجافي التحولات التي أعقبت أيام القصف المتبادل بين إسرائيل إيران”. وأضاف: “الجو العام اليوم في الوسط السياسي يميل إلى الانتظار قبل اتخاذ أي قرار، ترقباً لنتائج الخطوات الأمريكية والتهديدات بالعقوبات، وأيضاً لما ستؤول إليه المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، سواء انتهت بمفاوضات أو بحرب”.
زيارة لاريجاني حملت رسالة مزدوجة: طمأنة الحلفاء داخل العراق، وإبلاغ بغداد أن مسار نزع السلاح أو دمجه يجب أن يراعي مقتضيات الصراع الأوسع في المنطقة، وهو صراع يحتاج إلى وقت لا يملكه العراق وسط تزايد التهديدات بالعقوبات.
سياسياً، تُراهن كتائب حزب الله، وفق مصادر في الحشد الشعبي، على استثمار اقتراب موعد الانتخابات العراقية المقررة في 11 تشرين الثاني 2025، وعلى احتمال عدم التجديد للسوداني لتسمية رئيس وزراء يمكن التفاهم معه على “معادلة بقاء” بشروطٍ أقل صدامية مع الدولة والشركاء الدوليين.
هذا التباين في الرهانات يكشف أن الطرفين يحسبان خطوتهما التالية على قاعدة الانتخابات المقبلة، لا على قاعدة الاشتباك اللحظي فقط.
عملياً، يواجه السوداني معادلةً شديدة الحساسية، فقد يؤدي أي تشدّدٍ إضافي ضد كتائب حزب الله إلى تفجّر تحالفات داخل “الإطار التنسيقي”، وتوسيع الشرخ مع فصائل أخرى تشعر بأنها التالية على القائمة، مثل “عصائب أهل الحق”، فيما سيقود أي تراجعٍ الآن إلى تقويض سردية “هيبة الدولة” التي بناها خلال العامين الماضيين، ويضعف موقعه أمام واشنطن وشركاء إقليميين يراقبون خطواته.

القرارات التأديبية ضد قيادات في اللواءين 45 و46 في الحشد تشي بأنه اختار اختبار الحدود.
في المقابل، تُدرك الكتائب أن فتح مواجهةٍ شاملة مع الحكومة الآن قد يفرض تبعاتٍ مالية وقانونية وأمنية لا ترغب بها، لاسيما مع تصاعد التهديد الأمريكي باستخدام أدواتٍ اقتصادية وقانونية إذا مضى البرلمان في تشريعٍ يُثبّت وضع الحشد الشعبي بوصفه قوة موازية.
لذلك، تمزج الكتائب في بياناتها بين رفع السقف السياسي (الحديث عن “فخ” و”تزييف”) وبين الدعوة إلى لجانٍ “محايدة” ومسارات تفاوض داخل “الإطار”، بما يحفظ لها القدرة على المساومة في ملف الانتشار والسلاح والاقتصاد المحلي المرتبط بنفوذها.

إجمالاً، رسمت أحداثُ أواخر تموز وبدايات آب خطوط تماس أكثر جلاء في العراق، وذلك من خلال عودة رسائل النجف بطرح معادلة “السلاح بيد الدولة” على أنه معيار للشرعية، واختبار الحكومة أدواتها داخل الحشد، وضغط واشنطن عبر بوابة القانون والعقوبات، وتحضّر طهران لتقليل خسائر حلفائها ومنع “تفكيك” الفصائل قسرياً.
بين هذه الخطوط يظهر سؤال حرج لا أحد في المنطقة الخضراء يمكنه الإجابة عنه: هل ينجح العراق في تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والسلاح قبل انتخابات 11 تشرين الثاني، أم تنزلق البلاد إلى مساوماتٍ ظرفية تؤجّل الانفجار ولا تعالجه جذرياً؟
يقول المستشار: “إن الجميع يعرف أن إيران باتت أضعف”، مضيفاً: “أن القوى السياسية تحاول التصرف بحذر معها… لا الانجرار تماماً خلفها لدرجة تُغضب الولايات المتحدة، ولا الابتعاد عنها لدرجة تجعلها تشعر بالانسحاب من مشروعها”.
ويشير إلى أن “إيران تُثبت ضعفها أيضاً بعدم قدرتها على جمع الفرقاء الشيعة على طاولة واحدة”، لكنه يستدرك: “عدم استطاعتها جمع الشيعة حول رأي واحد لا يعني أنها فقدت الصلة بهم”.

هذا التوازن الهش ينعكس أيضاً على علاقة طهران برئيس الوزراء، فحسب المستشار نفسه: “رغم وصف كتائب حزب الله السوداني بأنه أشد رؤساء الوزراء قرباً من واشنطن -وتذكر أنه فصيل مقرب من الحرس الثوري- إلا أن المسؤولين والقيادة الإيرانية، وحتى الحرس الثوري نفسه، يحتفظون بعلاقة جيدة معه ويحاولون الحفاظ عليها”.
ويرى أن هذه العلاقة قد تصل إلى لحظة يقرر فيها الإيرانيون “منح ولاية ثانية للسوداني”، إذا عدّوا ذلك يخدم مصالحهم وسط التحولات الإقليمية القائمة.