في صباح قائظ من تموز، يقف أبو نجاح عند حافة ساقية يابسة في ريف الكوت، كان يمرّ من هنا كلَّ يوم ليشرف على حقل القمح، لكنّ الأرض الآن تشقّقت مثل يد فلاح عجوز، يمرّر أصابعه على التربة فيتطاير غبارها في الهواء، يرفع رأسه نحو الشمس الحارقة والسماء الصافية من الغيم، ويتمتم: “حتى النهر عطشان”.
هذا المشهد، الذي يتكرر اليوم في قرى العراق، ليس حكاية معزولة، بل هو عنوان من سنةٍ وصفها وزير الموارد المائية، عون ذياب، بأنها من أصعب سنوات العراق بسبب الشح المائي، معلناً أن زراعة المحاصيل ستتوقف بالكامل بحلول أيلول. ليس هذا التصريح خبراً اقتصادياً أو زراعياً عابراً، بل هو إنذار وجودي يمسّ الخبزَ والماءَ معاً، وأزمة تقبض على رقبة العراق.
الخزين المائي في سدود العراق -الموصل، ودربندخان، ودوكان، والثرثار، وحديثة، وحمرين -انخفض إلى أقل من 8 مليار متر مكعب. رقم يبدو كبيراً على مقاييس أحاديث المقاهي والفيسبوك، لكنّه في لغة المياه لا يكفي سوى جزءاً يسيراً من احتياجات بلد يستهلك سنوياً أكثر من 50 مليار متر مكعب لتغطية حاجاته الزراعية والصناعية والسكّانية. إنّه أشبه بكأس ماء وحيد في بيت يقطنه مئات العطشى.
من النهر إلى الصحراء
العراق الذي كان يوصف في كتب التاريخ بـ”أرض السواد” لغنى تربته، ووفرة مياهه، وتشابك أشجاره ونخيله، أصبح اليوم يواجه خطر التصحر على مساحات شاسعة. هذا التراجع لم يبدأ هذا العام، بل منذ سبعينيات القرن الماضي، ومع بدء تركيا، وحتى سوريا، بناء السدود العملاقة على منابع دجلة والفرات ومجاريهما، بدأت الحصص المائية تنكمش سنةً بعد أخرى.
تركيا، بمشروعها الضخم المعروف بـ”GAB”، قلّصت تدفق المياه إلى العراق تقليصاً كبيراً. أما إيران فقد قطعت أو حوّلت مجاري أنهار وروافد مهمة، ما زاد من شدة الأزمة. لكنّ الحقيقة المُرّة أن هذه العوامل الخارجية وجدت بيئة داخلية مثالية لتفاقم المشكلة، تتمثل بسوء الإدارة، والهدر الكبير في شبكات الري، وانعدام خطط حصاد المياه، وغياب استثمار حقيقي في مشاريع التحلية وإعادة التدوير.
مواسم الجفاف التي لا تنسى
هذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها العراق شُحّاً مائياً، لكنّه لم يكن يوماً بهذه الحدّة، ففي منتصف الثمانينيات، تراجع منسوب دجلة والفرات بسبب موجات جفاف قوية، لكنّ البلاد وقتها كانت تمتلك مخزوناً مائياً أكبر، ومشاريع ري أكثر فاعلية، وكانت الزراعة قادرة على الصمود إلى حدٍ ما، والأهم أن عدد سكانها كان أقلّ من نصف العدد الحالي.

وفي التسعينيات، ومع الحصار الاقتصادي، واجه العراق جفافاً حاداً رافقه انهيار في البنية التحتية، لكنّ الريفَ كان لا يزال يحتفظ بجزء من قدرته على الإنتاج، بفضل اعتماد المزارعين على الآبار والمياه الجوفية، وإن كان اعتماداً محدوداً. أما اليوم، فالأزمة أكثر تعقيداً، لأن التغير المناخي قلّل الأمطار، والخزانات تعاني التبخر، والمياه الجوفية نفسها في تراجع حاد بسبب الاستنزاف وسوء الإدارة.
الدبلوماسية المائية الغائبة
الوزير تحدث عن استمرار المشاورات مع تركيا لتقاسم الضرر، لكن التجربة تظهر أن التفاوض المائي ليس كالتفاوض التجاري أو الأمني. الماء في السياسة الإقليمية ورقة ضغط تبدو أقلّ جلباً للمشكلات، وأقلّ إثارةً للصواريخ والبنادق، لكنّها ورقة أكثر قتلاً للحياة، وكلّ طرف يحاول استخدامها لتعزيز مصالحه.
العراق، ورغم أهميته الجغرافية والاقتصادية، لم ينجح حتى الآن في صياغة اتفاقيات ملزمة مع دول المنبع، بل اكتفى بسلسلة تفاهمات مؤقتة تتبخر غالباً مع أول موسم جفاف، وليس بيده ما يُلزم تركيا، لأنها لم توقّع على الاتفاقيات الدولية للدول المتشاطئة، وليس هنالك ما يلزمها بذلك أيضاً.
الدبلوماسية المائية الحقيقية تحتاج إلى فريق متخصص، يمتلك أدوات ضغط سياسي واقتصادي فعّالة، ويعرف كيف يحوّل ملف المياه إلى أولوية في أي حوار مع دول الجوار، دون ذلك، ستظل مفاوضاتنا تدور في حلقة مفرغة بين “الوعود” و”التمنيات”.
الزراعة على حافة الانهيار
إعلان توقف الزراعة في أيلول، يعني أن آلاف الهكتارات من الأراضي ستُترك بوراً، وأن مئات الآلاف من المزارعين سيجدون أنفسهم بلا مصدر رزق. سوف تُفرَّغ القرى من سكانها، وتزداد المدن ازدحاماً بالمهاجرين من الريف، وسوف تعتمد الأسواق على الاستيراد أكثر لتوفير القمح والخضروات.
تجربة السنوات الماضية تظهر أن الاعتماد المفرط على الاستيراد يجعل السوق عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، ويقيّد القدرة على التحكم بالأمن الغذائي. والأخطر أن فقدان المزارعين لأراضيهم قد يصبح دائماً، لأن الأرض التي يكرّر الجفاف زيارتها، تحتاج إلى سنوات لإعادة تأهيلها.
المناخ والتحوّل المُلحّ
التغير المناخي ليس خبراً في نشرات الأخبار، إنه واقع يعيشه العراق كل صيف.ارتفاع درجات الحرارة يزيد معدلات التبخر في الأنهار والخزانات، وانخفاض الأمطار يقلل من التغذية الطبيعية للمسطحات المائية.
التقارير الدولية تحذر من أن العراق قد يفقد معظم موارده المائية السطحية بحلول 2040 إذا استمرت الأوضاع كما هي.
لطالما تعامل العراق مع النفط على أنه عماد اقتصاده، لكن النفط يمكن استبداله أو إيجاد بدائل لتكون موارد مالية مستدامة غيره، أما الماء فلا بديل له. وإذا لم تبدأ بغداد بالتعامل مع الماء بوصفه أصلاً استراتيجياً يوازي النفط في أهميته، ستصل البلاد إلى وضع يصبح فيه امتلاك برميل ماء أصعب من شراء برميل نفط.
الحلول موجودة لكنّها ليست سهلة كما يعتقد الناس؛ فتحديث شبكات الري التقليدية إلى أنظمة حديثة توفر الاستهلاك لا يكون بين ليلة وأخرى، بل يحتاج، بالإضافة للإرادة والتخطيط والتنفيذ الدقيقَين، إلى سنوات عديدة. وكذلك الاستثمار في تحلية مياه الخليج وإعادة استخدام مياه الصرف المعالجة، وبناء السدود الصغيرة لحصاد مياه الأمطار، وتفعيل برامج التوعية المجتمعية لترشيد الاستهلاك.
الإنذار الأخير
نعم، هذه السنة من أصعب سنوات العراق، لكن التي تليها قد تكون أصعب إذا استمرت إدارة الأزمة بالأسلوب نفسه، وبقيت أدوات التفاوض المائي وآلياته بيد دول المنبع ذاتها.
الماء في العراق لم يعد قضية بيئية أو زراعية فحسب، بل أصبح قضية أمن وطني ووجود، لأنّه يمسّ حياة كلّ فرد، ويؤثر على الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
اليوم، ونحن نسمع خبر توقّف الزراعة، ونسترجع أغنيات الأرض، علينا أن ندرك أن ما يجف ليس النهر فقط، بل التاريخ الذي بناه العراقيون حوله. وإذا لم نتحرك بجرأة، فسيأتي يوم نكتب فيه عن دجلة والفرات بصيغة الماضي، ونروي لأطفالنا كيف كانت هذه الأرض يوماً ما جنة خضراء وتحوّلت إلى صحراء.
- تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج“.