ينشر جمّار سلسلة من شهادات فتيات إيزيديات نجون من الاختطاف، والاستعباد الجنسي، وتغيير الدين القسري، خلال فترة اختطافهنّ على يد تنظيم داعش بين عامي 2014 و2017.
كانت بعضهنّ طفلات لم يتجاوزن التاسعة من العمر، حين أُخذن من قراهن في تل بنات وكوجو ومئات القرى الإيزيدية في سهل نينوى، شمالي العراق.
الفتيات اللواتي كبرن في الأسر، ثم عُدن إلى قراهن المنكوبة، سردن تجاربهنّ باللغة الكردية للكاتبة تركية شمّو، التي نقلتها إلى العربية وشاركتها مع جمّار.
تمثّل هذه الشهادات توثيقاً مؤلماً عن الحياة بعد النجاة، وعن محاولات مستمرة لاستعادة الأمان الجسدي والنفسي، كما عبّرت إحداهن: “نحاول لملمة ما تبقّى من حياتنا”.
لكن هذا التشافي لا يمكن أن يحدث دون اعتراف ومساندة من المجتمع والدولة، وتطبيق حقيقي لقانون الناجيات الإيزيديات، الذي أقرّ بأن ما تعرّضن له كان إبادة جماعية، وجرائم ضد الإنسانية، بينما لا تزال الفجوة بين النص والتطبيق واسعة.
في جمّار، اخترنا نشر هذه القصص كما وردت في سردهن، دون تعديل في اللغة أو إعادة بناء للنص، احتراماً لحق الناجيات في سرد تجاربهنّ بطريقتهن، وحرصاً على ألّا نفرض عليهن تذكّر ما اخترن نسيانه.
القصص تتضمن مشاهد مؤلمة وتفاصيل حساسة، وننبه القرّاء والقارئات إلى ذلك مسبقاً، تقديراً لتجاربهم الشخصية مع الألم أو الصدمة.

ولدتُ عام 2005 في قرية رمبوسي، كانت حياتنا متواضعة وطبيعية إلى حد بعيد. مثل أي طفلة، لم أكن أعرف الكثير عن حقوق النساء أو الحياة خارج قريتنا، كنا نعيش مع عائلاتنا بسعادة، وكان الوقت الذي نمضيه مع الأمهات والأصدقاء في الجلسات المسائية أمام البيوت هو مصدر فرحتنا.
نلعب معاً، ونضحك مع الجيران، وكان هذا كل الرفاهية التي نعرفها، في تلك الأيام، كانت الحياة مليئة بالبسطاء، وكنا نعيش في أجواء من السلام والطمأنينة،
لكن هذا كله تغيّر فجأة في عام 2014، عندما غزت داعش منطقتنا.
كان عمري آنذاك تسع سنوات، وعندما اجتاح تنظيم داعش قريتنا، اضطررنا إلى الفرار. عبرنا إلى منطقة قنديل في جبار سنجار، وهناك شعرنا بالخوف والهلع أول مرة، وفي الثالث من آب 2014، اختطفونا، ونقلونا إلى الموصل بعد أن بقينا في سنجار فترة قصيرة.

لقد فُصلت عن عائلتي، لكن بسبب صغر سني بقيت مع أمي، في تلك اللحظات، كنت لا أستطيع فهم ما يحدث حولنا، فرقونا عن الرجال، وجمعوا النساء والفتيات الصغار، ثم بدأنا نرى أفظع أشكال التعذيب والإهانة.
كنت شاهدة على العنف المستمر، والضرب، والسجن، والترهيب، كانت الحياة هناك مليئة بالخوف والظلام، وكل يوم كان يحمل نوعاً من العذاب النفسي والجسدي.
في مرحلة لاحقة، نقلونا إلى سوريا، حيث تنقلنا بين مناطق مختلفة، مثل الرقة، وباغوز، وحلب.
لا أذكر جميع الأماكن بدقة، لكنني أذكر جيداً أننا أُخذنا إلى مكان تحت الأرض، حيث بقينا ستة أشهر.
كانت حياتنا تحت الأرض مليئة بالحرمان، لم نكن نرى الضوء، وكان الطعام يُقدم لنا مرة واحدة في الأسبوع.
في الرقة، كان الوضع أكثر سوءاً، كانت الطائرات تقصف المناطق باستمرار، في أحد الأيام، أخذنا داعش إلى بيت كبير كان مخصصاً لتعليمنا القرآن والصلاة، كان مكاناً يشبه السجن، كنا لا نملك حرية الحركة أو حتى التفكير في الهروب.

ثم جاء اليوم الذي كان أكثر إيلاماً، دخل عناصر من داعش واختاروا مجموعة من الفتيات بناء على الجمال، اقتادونا إلى أسواق الرقة، وعرضونا للبيع بشروط وأسعار، مع أرقام مكتوبة على صدورنا.
بعد سنوات من هذا العذاب المستمر، دُفعت فديتي وتحررت عام 2017، عاد البعض منا إلى مخيمات إقليم كردستان، حيث شعرنا للمرة الأولى بشيء من الأمان، لكن ذلك لم يكن يعني نهاية المعاناة.
ورغم أننا عدنا إلى مناطقنا بعد فترة، إلا أن الحياة لم تكن كما كانت، سنجار التي كانت مسقط رأسنا، أصبحت مدمرة، الناجيات مثلنا لم يحصلن على أي من حقوقهن، حتى قطعة أرض لم تُوزع لهن، لقد وُزّعت لعدد محدود فقط، المعاناة كانت مستمرة من جميع النواحي، نفسياً، وجسدياً، ومعنوياً.
للأسف، حتى بعد مرور عشر سنوات على المجزرة وجرائم السبي، ما تزال الناجيات يعانين من الجروح، فالعدالة لم تتحقق، إذ إن الكثير من عناصر داعش لا يزالون يعيشون حياة طبيعية، غير خاضعين للمحاكمة.

والأسوأ من ذلك، أن العديد من أفراد عائلاتنا ما زالوا في عداد المفقودين، مصيرهم مجهول حتى يومنا هذا، بعضهم فقدوا جميع أفراد أسرهم، وفي كل مرة نتذكر تزداد الندوب في قلوبنا.

اليوم، نعيش في سنجار، ولكننا نعيش في الفراغ، لا توجد قوانين تحمينا أو تدعمنا، حتى مراكز التأهيل لم تُؤسس، ونحن ما زلنا بحاجة إلى المساعدة وإلى الدعم النفسي والاجتماعي، فمشاعر الألم لا تختفي بسهولة، إنَّ ما مررنا به لا يمكن أن يُنسى، بل سيظل يلاحقنا مثل جروح لا تلتئم أبداً.