“لم أكن أتخيل أبداً في أي لحظة من حياتي أنني سأعود من ذلك الجحيم” (4-5) 

ليناس / 24 آب 2025

عشت في السجون نحو ثلاث سنوات، كانت أياماً مليئة بالظلام والتعذيب، كنت أعيش بريئة، دون أن أفهم لماذا اختطفوني، ولماذا كان يجب أن أكون ضحية لهذا الكابوس..


ينشر جمّار سلسلة من شهادات فتيات إيزيديات نجون من الاختطاف، والاستعباد الجنسي، وتغيير الدين القسري، خلال فترة اختطافهنّ على يد تنظيم داعش بين عامي 2014 و2017.

كانت بعضهنّ طفلات لم يتجاوزن التاسعة من العمر، حين أُخذن من قراهن في تل بنات وكوجو ومئات القرى الإيزيدية في سهل نينوى، شمالي العراق.

الفتيات اللواتي كبرن في الأسر، ثم عُدن إلى قراهن المنكوبة، سردن تجاربهنّ باللغة الكردية للكاتبة تركية شمّو، التي نقلتها إلى العربية وشاركتها مع جمّار.

تمثّل هذه الشهادات توثيقاً مؤلماً عن الحياة بعد النجاة، وعن محاولات مستمرة لاستعادة الأمان الجسدي والنفسي، كما عبّرت إحداهن: “نحاول لملمة ما تبقّى من حياتنا”.

لكن هذا التشافي لا يمكن أن يحدث دون اعتراف ومساندة من المجتمع والدولة، وتطبيق حقيقي لقانون الناجيات الإيزيديات، الذي أقرّ بأن ما تعرّضن له كان إبادة جماعية، وجرائم ضد الإنسانية، بينما لا تزال الفجوة بين النص والتطبيق واسعة.

في جمّار، اخترنا نشر هذه القصص كما وردت في سردهن، دون تعديل في اللغة أو إعادة بناء للنص، احتراماً لحق الناجيات في سرد تجاربهنّ بطريقتهن، وحرصاً على ألّا نفرض عليهن تذكّر ما اخترن نسيانه.

 القصص تتضمن مشاهد مؤلمة وتفاصيل حساسة، وننبه القرّاء والقارئات إلى ذلك مسبقاً، تقديراً لتجاربهم الشخصية مع الألم أو الصدمة.

أجد نفسي الآن في العشرين من عمري، لكنني أحياناً أشعر أنني قد عشت أكثر من ذلك بكثير، سنوات مرت عليّ كأنها حياة أخرى، سنوات من العذاب والألم في ظل إرهاب داعش.  

لم أكن أتخيل أبداً في أي لحظة من حياتي أنني سأعود من ذلك الجحيم، لكنني الآن هنا، عندما أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام، أشعر أن الوقت قد توقف، وأنني عشت حياةً مليئة بالمعاناة. 

عشت في السجون نحو ثلاث سنوات، كانت أياماً مليئة بالظلام والتعذيب، كنت أعيش بريئة، دون أن أفهم لماذا اختطفوني، ولماذا كان يجب أن أكون ضحية لهذا الكابوس.  

بين القصف في الموصل وتلعفر، وبين جدران السجون والمنازل الفارغة، كانت الحياة أشبه بالموت، لم يكن هناك يوم دون تعذيب أو عنف أو اغتصاب، وكانت تلك الأيام تمثل اللون الأسود من الحياة، حيث لا مكان للأمل أو للحياة. 

بعد تحريري، بقيت عدة سنوات أعيش نازحة، وهو شعور مخيف لا يوصف، أن تكوني ضحية وتشعري أنك ضحية مرة أخرى، كان الشعور بالتهجير القسري قاتلاً.  

بقينا في حالة نزوح أربع سنوات، حتى قررنا العودة إلى سنجار بسبب الخطابات السياسية والكراهية التي كانت تتصاعد ضدنا، لكن الحقيقة أن العودة لم تكن تعني العودة إلى الحياة الطبيعية، فالبيت الذي أعيش فيه الآن ليس بيتي، وكل شيء هنا ليس ملكي.  

كل ما أملكه هو راتب من مديرية الناجيات، وهو بالكاد يكفي لتغطية بعض احتياجات عائلتي، لكن هل هذا الراتب يكفي للعيش الكريم؟ هل يكفي لتغطية تكاليف الأطباء الذين أحتاجهم بسبب الأذى الجسدي الذي تعرضت له؟ من خلال ما أراه، الحكومة العراقية ما زالت مقصرّة تجاهنا نحن الناجيات. 

من جهة أخرى، لا يوجد تطبيق حقيقي للبنود التي حُددت في قرار حقوق الناجيات الإيزيديات، على سبيل المثال، وُزعت قطع الأراضي على نحو 200 ناجية، بينما الآلاف لم يحصلن على حقوقهن في الأراضي أو حتى في المساعدة، والسبب الرئيس في ذلك هو أن الأراضي التابعة لبلدية سنجار غير كافية، فالنقص في توفير قطع الأراضي! 

بعد التحرير، كنت في مخيم شاريا في إقليم كردستان، وهو تابع لمحافظة دهوك، عشت في المخيم أكثر من أربع سنوات، لا توجد لغة تصف حياة المخيمات، تعيش تحت قطعة قماش لا لون لها، هذه جريمة بحق الإنسان، لا مدرسة، لا شغل، وفوق كل هذا، تعيش في المخيم، وأيام البرد كانت باردة، وأيام الصيف كنا نحترق من الحر. 

تجربة أخرى مررت بها، عندما كنت في بغداد لحضور مؤتمر، أثناء تسوقي في مول بغداد، شعرت بشيء غريب، كان هناك شخص ينظر إليّ نظرة غير عادية، وكلما تحركت، كان هو أيضاً يتحرك ويراقبني، شعرت بخوف شديد، وشككت أن هذا الشخص هو “أبو أنس” من داعش، الذي كان معي خلال وجودي في السجن، كنت متأكدة من ملامحه وشكله، شعرت برعب كبير، وقررت العودة إلى الفندق على الفور. 

تواصلت مع القوات الأمنية في بغداد، وشرحت لهم ماذا حصل في مول بغداد، وتساءلت عما إذا كان هذا الشخص هو “أبو أنس”، وبعد التحقيق في المعلومات، أكد لي النقيب أن “أبا أنس” قُتل في إحدى معارك تحرير الموصل.  

مع ذلك، لم أكن متأكدة إذا كان ذلك صحيحاً، أو إذا كنت قد رأيت هذا الشخص حقاً، لكن من جهة أخرى، شعرت بشيء من الراحة لأنه ما يزال بعيداً عني، وفي الوقت ذاته لم أستطع التخلص من الخوف. 

هذا يجعلني أتساءل، أين العدالة؟ أين دور القانون؟ هل الناجيات يمكن أن يتعافين في سنجار؟ وهل يجب أن نعيش في العراق أم خارج العراق؟ دولتنا فشلت في تأهيلنا وتقديم الدعم الكافي لنا، مصيرنا مجهول، ومصير بقية المخطوفات ما يزال غير واضح، ولا تزال المقابر الجماعية تمثل جزءاً من جروحنا التي لا تلتئم. 

حتى الآن، لم نسمع إجابات شافية بشأن حقوق الناجيات والناجين، المعاناة مستمرة، والنظام ما زال عاجزاً عن تقديم العناية الفائقة التي نحتاجها، في النهاية، نحن بحاجة إلى العدالة، إلى الحقيقة، إلى التعافي، ولكن للأسف لم نجد حتى الآن الأمل الذي نبحث عنه.