من وعّاظ السلاطين إلى الخوارزميات: الثالوث الاستبدادي الجديد 

هيوا عثمان / 2 أيلول 2025

يكتب هيوا عثمان عن تحوّل الاستبداد في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف يتراجع دور وعّاظ السلاطين، ليحل محلهم الذكاء الاصطناعي، فتصبح الأنظمة أكثر برودة، وأكثر دقة، وأكثر قدرة على البقاء..


عندما كنا نتحدث عن أي نظام مستبد، كانت الصورة النمطية التي تتبادر إلى الأذهان نظاماً يقوم على ثالوث: مال وفير جُمع في الغالب تحت تهديد السلاح الذي لا يتردد المستبد في استخدامه ضد أي طرف يراه خطراً عليه، وفريق من “وعّاظ السلاطين” الذين نالوا مناصب لم يكونوا ليحلموا بها لولا حاجة النظام إليهم كمستشارين أو كأدوات لتلميع صورته. 

وعبر عقود، كان سير عمل هذه الأنظمة واضحاً، إذ اعتمدت على المال لشراء الولاءات، وعلى البندقية لقمع المعارضين، وعلى المستشارين لإضفاء المشروعية على قراراتها. لكن هؤلاء المستشارين كانوا بشراً في النهاية، يخشون غضب الحاكم، ويحرصون على امتيازاتهم، ويغذّون غروره بقول ما يحب سماعه لا ما يحتاج إلى معرفته، حفاظاً على امتيازاتهم ومناصبهم. 

هذا العالم يوشك أن ينتهي، نحن اليوم أمام معادلة جديدة للاستبداد: المال، والسلاح، والذكاء الاصطناعي، معادلة تحمل تبعات عميقة على السياسة والحرية في يومنا هذا. 

من وعّاظ السلاطين إلى الخوارزميات 

بينما تبقى وظيفة المال والسلاح كما هي، تتراجع تدريجياً الحاجة إلى المستشارين، بل وحتى إلى وعّاظ السلاطين، فبقاء هؤلاء كان مشروطاً بالتملق وتزيين صورة الحاكم وحجب الحقائق، وغالباً ما وقعوا في الأخطاء تحت وطأة الخوف على مناصبهم. 

أما الذكاء الاصطناعي فلا يخشى ولا يجامل، فإذا كُلّف بمهمة “الحفاظ على بقاء الحاكم في السلطة”، فإنه يحسب ويحلل ويقترح، ببرود وصرامة، ما يضمن تحقيق المهمة بأعلى كفاءة. 

آلة أحلام الطغاة 

تصوّر نظاماً قادراً على: 

• قراءة ملايين المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، لاكتشاف بوادر التمرد قبل أن تصل إلى الشارع. 

• تصميم حملات دعائية موجّهة لكل فرد أو مجموعة على حدة. 

• اقتراح من يجب شراؤه، ومن يجب ترهيبه، ومن يجب التخلص منه. 

• الارتباط بالأسلحة المتطورة كالطائرات المسيّرة وأنظمة المراقبة لتعقّب الخصوم لحظة بلحظة. 

مع الأسف الشديد، هذا ليس خيالاً علمياً، بل نتيجة طبيعية لتسخير تقنيات متاحة اليوم في يد حكام يملكون المال والسلاح، فيصبح الذكاء الاصطناعي الحليف الثالث الأكثر بروداً وفاعلية. 

نهاية العامل البشري 

كثيراً ما تصدّع الاستبداد بسبب ثغرات إنسانية: غرور، وخطأ في الحسابات، ولحظة تردّد، أو خيانة داخلية، أما الذكاء الاصطناعي فلا يتردّد ولا يملّ ولا يخون، وبإلغاء “العامل البشري”، يتحول القمع إلى عملية أكثر عقلانية، وأشد قسوة واستمرارية. 

الخطر الحقيقي 

الخطر ليس في الذكاء الاصطناعي وحده، بل في اندماجه مع المال والسلاح، فالمال يشتري التقنية، والذكاء الاصطناعي يضع الخطة، والسلاح يفرض النتائج. 

هذا الثالوث الجديد قد يكون السمة السياسية الأبرز لعصرنا، متجاوزاً الإيديولوجيات والغزوات العسكرية. 

كيف تواجه المجتمعات الحرّة هذا الواقع الجديد؟ 

لا تملك المجتمعات الحرّة رفاهية التردّد، فكل تأجيل أو تسويف يمنح الطغاة فرصة إضافية لبناء أنظمة قمعية أكثر إحكاماً مما عرفناه، وعلى المجتمعات الديمقراطية المتقدمة والشركات التي تدعي الشعور بالمسؤولية الإسراع في تقديم العون.  

المواجهة تتطلب استراتيجية جديدة: 

  1. إطار عالمي ملزم: على الدول الديمقراطية فرض ضوابط صارمة على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الأمنية، كي لا تتحول الأسواق إلى مخازن أدوات للطغيان. مع التيقن بأن هذا الإجراء سيساهم مساهمة جزئية في الحد من استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي من قبل الأنظمة المستبدة، لأننا سنرى، وبسرعة، ازدهار السوق السوداء للذكاء الاصطناعي. 
  1. تسليح المجتمع المدني بالذكاء الاصطناعي: إذا استخدم الاستبداد الخوارزميات لكشف المعارضين وإسكاتهم، فعلى المجتمعات الحرة استخدامها لكشف الأكاذيب، وفضح الدعاية، وتمكين الأفراد من بناء سرديات مضادة. 
  1. ثورة في الوعي الرقمي: لم يعد كافياً أن يعرف المواطن كيف يستخدم هاتفه، بل يجب أن يدرك كيف تُستغل بياناته ضده، هنا يبدأ خط الدفاع الأول عن الحرية. 

المعركة القادمة ليست بين أنظمة وشعوب فحسب، بل بين من يحتكر أدوات الذكاء الاصطناعي للبقاء في الحكم بأي ثمن، ومن يحوّلها إلى أفق للحرية والكرامة. الطغاة يسابقون الزمن لتطويع الخوارزميات، وعلى المجتمعات الحرّة أن تسابق الزمن أيضاً، فالصمت أو التغاضي عن المخاطر اليوم يعني أن نصحو غداً لنجد أنفسنا في عالم تُدار فيه حياتنا بخطة محكمة تكتبها آلة لصالح الطاغية، آلة لا تعرف معنى العدالة، ولا تفهم كلمة حرية، ومجهزة دائماً بتبرير لاستخدام العنف والإرهاب.