يشهد الاقتصاد العراقي اليوم ظاهرة مقلقة، تتمثل بتضخّم غير مسبوق في كتلة الرواتب والأجور التي تلتهم الجزء الأكبر من الموازنة العامة. فبعد عقود من الصراعات تحوّل العراق تدريجياً إلى “دولة موظفين”، وأصبح القطاع العام هو المشغِّل الأكبر والداعم الرئيس للقوى العاملة. هذه الظاهرة، وإن كانت توفر استقراراً مؤقتاً لشريحة واسعة من المجتمع، إلّا أنها تخلق معضلة اقتصادية حقيقية، وتطرح تحديات جسيمة أمام التنمية المستدامة، فبينما يزداد الإنفاق على الرواتب، تتقلص ميزانيات الاستثمار في البنى التحتية والمشاريع الإنتاجية، مما يضع مستقبل البلاد على المحك.
أسباب اللجوء إلى “مسكنات التوظيف الحكومي”
بعد عام 2003، لجأت الحكومات العراقية المتعاقبة إلى استخدام التوظيف الحكومي كأداة سياسية لتجنب التوترات الاجتماعية الناتجة عن تضخم عدد السكّان وارتفاع معدلات البطالة من جانب، ولبناء شبكة زبائنية للأحزاب السياسية الماسكة بالسلطة تقوم على أساس التخادم الضمني وتقديم الرشى من الريع النفطي من جانب آخر، بدلاً من استخدام التوظيف الحكومي وسيلةً لتقديم خدمات عامة. هذه السياسات خلقت تضخّماً كبيراً في القطاع العام وزيادة في العبء على الموازنة العامة، لتتراجع كفاءة الأداء الحكومي وفعاليته. وفي ظل غياب قطاع خاص قوي قادر على خلق وظائف آمنة، اعتمدت الحكومات العراقية على التوظيف في القطاع العام بوصفه حلاً سريعاً وفعّالاً لاستيعاب أعداد كبيرة من الخرّيجين والشباب العاطلين عن العمل، خاصة في فترات ارتفاع أسعار النفط، وهذا أعاق نمو القطاع الخاص وتطوره في العراق من خلال التأثير في قدرته على خلق فرص عمل مستدامة.

ومن خلال السياسة التوظيفية هذه، تحاول السلطات تجنب الاحتجاجات، إذْ تعد البطالة مصدر قلق كبير للحكومة لأنها غالباً ما تؤدي إلى احتجاجات شعبية، لذلك استُخدم التوظيف الحكومي كسياسة استباقية لتهدئة الشارع وامتصاص الغضب، مما يمنح الحكومات نوعاً من الاستقرار السياسي والاجتماعي المؤقت.
وفي هذا السياق نذكر أن من أسباب اندلاع احتجاجات تشرين 2019، سوء الخدمات العامة، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة، بعد سنوات من إيقاف سياسة التوظيف الحكومي، نتيجة انخفاض أسعار النفط، بالإضافة إلى تكاليف الحرب على تنظيم داعش.

ولأجل ضمان عدم قيام احتجاجات شعبية، شرَعت حكومة محمد شياع السوداني، المنبثقة عن تحالف إدارة الدولة، باستمالة الشارع من خلال العودة مجدداً إلى سياسة التوظيف في القطاع العام، إذْ عملت، من خلال الموازنة العامة الثلاثية للسنوات المالية 2023-2024-2025، على استحداث أكثر من 729,608 درجة وظيفية جديدة، ليرتفع معها عدد العاملين في القطاع العام الممول مركزياً إلى 4,074,697 موظفاً، عدا المتقاعدين ومستحقي الرعاية الاجتماعية.
وإذا افترضنا أن كلّ 100 فرد بحاجة إلى موظّف حكومي واحد،وأخذنا بعين الاعتبار أن عدد سكان العراق هو 46,118,793 نسمة حسب الإحصاء السكاني الذي أجري في عام 2024 ، سنجد أن حاجة القطاع العام من الموظفين نحو 461,187 موظفاً، ما يعني أن هناك 3,613,510 موظفين فائضين عن الحاجة في المؤسسات الحكومية، يتقاضون مبالغ طائلة دون إضافة أيّ قيمة حقيقية للاقتصاد.

يمكن القول إن سياسة التوظيف الحكومي، وإن كانت تبدو حلاً قصير المدى للتقليل من البطالة وتفادي التوترات الاجتماعية، إلّا أنها في جوهرها مجرد مسكّن لا يعالج الداء بل يفاقمه على المدى المتوسّط والبعيد، إنها تشتري للحكومات وقتاً سياسياً ثميناً على حساب التنمية الاقتصادية، مما يُدخل البلد في حلقة مفرغة من الاعتماد على ريع النفط وتضخم القطاع العام، ويؤجل الانفجار الاجتماعي بدلاً من منعه.
المسكنات التي قادت إلى مرض مزمن
إن سياسة الباب المفتوح للقطاع العام التي تبدو للوهلة الأولى مسكناً فعّالاً للأزمات، تحوّلت بمرور الوقت إلى مرض مزمن يثقل كاهل الاقتصاد العراقي ويُعيق مسيرته نحو التنمية. إذ تُشكل فاتورة الرواتب الجزء الأكبر من الموازنة العامة، ما يترك القليل فقط للاستثمار في البنية التحتية والمشاريع التنموية. فقد بلغت تعويضات الموظفين في النصف الأول من عام 2025، وحسب البيانات الرسمية المعلنة من قبل وزارة المالية، أكثر من 30 تريليون دينار، وهي تمثل من إجمالي النفقات العامة البالغة نحو 56 تريليون دينار ما نسبته نحو 52 بالمئة. وعند إضافة رواتب الشركات العامة الخاسرة، والرواتب التقاعدية، ونفقات شبكة الحماية الاجتماعية، يبلغ مجموع ما صرفته الحكومة العراقية في النصف الأول من عام 2025 على الرواتب والأجور نحو 44 تريليون دينار، أي ما نسبته نحو 79 بالمئة من إجمالي النفقات العامة. بينما بلغت الإيرادات النفطية 57 تريليون دينار، وهي تمثل 92 بالمئة من إجمالي الإيرادات العامة، وقد بلغت نسبة المرتبات المدفوعة من الإيرادات النفطية نحو 78 بالمئة. مع هذا الإنفاق الهائل على رواتب العاملين في القطاع العام، هناك ضعف شديد في تمويل المشاريع الاستثمارية والتنموية، إذ بلغت المصروفات الاستثمارية نحو ثلاثة تريليونات دينار، بنسبة تبلغ نحو 6 بالمئة من إجمالي النفقات العامة. وثمة مفارقة تكشف حجم التدهور الكبير، فمع ازدياد المشاكل البيئية والمناخية، وانعدام الأمن المائي، الأمر الذي يتطلب وضع خطط استراتيجية لمعالجة هذه المشاكل، وضرورة تمويل المشاريع البيئية والمناخية من الموازنة العامة، نلحظ أن إجمالي نفقات وزارة الموارد المائية أكثر من 179 مليار دينار، وبلغت حصة تعويضات الموظفين منها أكثر من 116 مليار دينار، أي ما نسبته نحو 64 بالمئة من إجمالي نفقات وزارة الموارد المائية. إن اعتماد البلاد شبه الكامل على النفط بوصفه مصدراً رئيساً للإيرادات يعدُّ نقطة ضعف هيكلية في اقتصادها، فبدلاً من أن يكون النفط محركاً للتنمية، أصبح المصدر الوحيد لتمويل النفقات الحكومية الضخمة، وخاصة رواتب الموظفين. هذا الوضع يجعل الاقتصاد هشاً للغاية، فأيّ انخفاض في أسعار النفط العالمية يترجم فوراً إلى عجز في الموازنة العامة، مما يُعرّض استقرار الدولة للخطر، ويجعلها غير قادرة على التخطيط على المدى الطويل.
نهاية الهدوء … وبداية المواجهة
خلال الأشهر الماضية، تأخّرت الحكومة العراقية في تمويل رواتب العاملين في القطاع العام، بالإضافة إلى رواتب المتقاعدين، ويعود ذلك إلى أسباب فنية كما أوضحت وزارة المالية، إلّا أن الحقيقة تكشف عن عدم وجود سيولة أو فوائض مالية في رصيد وزارة المالية، والوزارة تنتظر تحويلات مبالغ مبيعات النفط الخام في الأسواق العالمية من أجل إتمام التمويل، ومع تأخُّر تحويل هذه المبالغ ستعجز الحكومة عن دفع الرواتب. إن هذه القضية فتحت الباب واسعاً لمناقشة التحديات الاقتصادية التي ستكون أكثر وضوحاً في الأشهر القادمة من جانب، ولضرورة إعادة النظر وتقييم سياسات التوظيف الحكومي التي اعتمدتها الحكومات العراقية لتهدئة الشارع وتقليل البطالة من جانب آخر.

لم تعُد هذه السياسة حلاً مجدياً، حيث أثبتت التجربة أنها لم تعالج المشكلة، بل زادتها تعقيداً، وليس استمرار هذا النموذج إلّا رسالة تحذيرية واضحة، فإذا لم يتغير هذا المسار فإنه سيؤدي حتماً إلى أزمة اقتصادية واجتماعية لا يمكن السيطرة عليها. وهذا النموذج يُضعف الإنتاجية، ويُرهق الموازنة العامة، ويجعل الاقتصاد العراقي رهينة لأسعار النفط العالمية المتقلّبة، مما يهدّد الاستقرار الاجتماعي على المدى الطويل ويُفاقم المشكلات القائمة، فمع كل برميل نفط يباع لتمويل الرواتب، يزداد تعرض البلاد للصدمات الاقتصادية القادمة.
- تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج”.