“الصنابير تنزف ملوحة بلا نهاية”.. عن لسان الملح والوعود العذبة التي تتلاشى في البصرة 

عبد الله السعد / 25 أيلول 2025

وعود متلاحقة أغرقت البصريين بأمل الماء العذب، لكنها ضاعت في المتاهات الإدارية، لتبقى الصنابير تنزف ملوحة بلا نهاية.


في ظهيرة قائظة من تموز 2025، حين كانت درجات الحرارة تقترب من حدود الخمسين مئوية، احتشد مسؤولون وصحفيون ومصورون قرب موقع رمزي، اختير ليكون نقطة البداية لمشروع تحلية مياه البحر في البصرة. 

وقف محمد شياع السوداني، رئيس الوزراء، بجوار أسعد العيداني، محافظ البصرة، وهما يضعان الحجر الأول الذي قيل إنه سيغير مصير محافظة عانت طويلاً من العطش والملوحة. 

خلف الكاميرات بدا المشهد كاحتفال رسمي متكامل، منصة معدّة بعناية، وخطب مليئة بالوعود، وإعلان صريح بأن مليون متر مكعب من الماء العذب سيُنتج يومياً خلال أربع سنوات فقط. 

كان المشهد يوحي بأن لحظة تاريخية قد ولدت أخيراً. 

لكن ما لم يظهر على المنصة كان أثقل من كل تلك الكلمات، فقد سبق أن حملت مشاريع عديدة العنوان ذاته، ووضعت لها أحجار أساس مشابهة، ثم انتهت سريعاً إلى أنقاض أو ملفات منسية في أدراج الوزارات، لذلك لم يكن غريباً أن يتسلل الشك إلى أذهان البصريين وهم يشاهدون الاحتفال على شاشات التلفاز أو عبر وسائل التواصل. 

بالنسبة لهم، كان ما يحدث أشبه بإعادة بث مسلسل قديم، طال عرضه، واعتادوا أن يسمعوا في مقدمته وعوداً بالإنقاذ، ولم يروا نهايته قط. 

وعد جديد 

اضطربت أوضاع الأهالي في البصرة مع مطلع صيف 2025، بعد اندفاع المد الملحي من مياه الخليج العربي صعوداً نحو أعالي شط العرب، بالتزامن مع تراجع الإطلاقات المائية من نهر دجلة عبر ناظم قلعة صالح. 

هذا التداخل أسفر عن ارتفاع متصاعد لنسب الملوحة في شط العرب، الذي يشكّل الشريان الرئيس لمحطات تصفية المياه وتحليتها في المحافظة. 

وفي الوقت ذاته، تفاقمت الأزمة نتيجة قلة الإطلاقات المائية من نهر الغراف المتفرّع عن دجلة باتجاه مشروع ماء العباس، المعروف شعبياً بمشروع “آر.زيرو”، عبر قناة البدعة، فيما سجلت درجات الحرارة معدلات مرتفعة زادت من حجم الطلب على المياه وأثقلت معاناة السكان. 

وسعت السلطات المعنية إلى تطويق الأزمة واحتوائها عبر مجموعة من الإجراءات، من أبرزها إطلاق حملة لرفع التجاوزات عن الأنهار، والقنوات المائية، والخطوط الناقلة للماء. 

كما اُقرت مجموعة من مشاريع التحلية ضمن خطة محافظة البصرة، على أن تُشيّد في مواقع مختارة داخل المحافظة، مع منح المحافظ تفويضاً بالتوقيع على عقود تنفيذ تلك المشاريع. 

وفي إطار المعالجات السريعة، تم تسيير مئات العجلات الحوضية التابعة لمختلف مؤسسات الدولة، لنقل المياه من منافذ التجهيز إلى الأحياء الأكثر معاناة من شح مياه الإسالة. 

كذلك اعتمدت السلطات نظام “المراشنة” بين المناطق، وهو آلية لتوزيع مياه الإسالة وفق جداول زمنية معدة مسبقاً، تتيح ضخ المياه العذبة لساعات محددة في بعض المناطق، قبل استبدالها بمياه مالحة لساعات أخرى، على أن يتم التناوب بين الأحياء لضمان وصول الإمدادات المائية إلى عموم السكان بعدالة نسبية. 

ورغم سلسلة الإجراءات التي اتُخذت، ظلت معاناة الأهالي موجودة، فيما تصاعدت حالة التذمر يوماً بعد آخر، حتى باتت تنذر بانفجار الأوضاع في البصرة. 

وإدراكاً من الحكومتين، الاتحادية والمحلية، لخطورة الموقف، وما قد يترتب عليه من تداعيات، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية المقررة في تشرين الثاني 2025، أقدم السوداني والعيداني على وضع حجر الأساس لمشروع تحلية مياه البحر في البصرة في 24 تموز 2025. 

وقد أُعلن رسمياً أن المشروع، الذي يُفترض إنجازه خلال أربع سنوات، يستهدف إنتاج مليون متر مكعب من المياه يومياً، لتلبية احتياجات نحو أربعة ملايين نسمة في البصرة، في محاولة لوضع حد لأزمة مزمنة تهدد استقرار المحافظة. 

وعود قديمة 

بدأت السلطات العراقية قبل نحو 15 عاماً التفكير جدياً في إيجاد حلول جذرية لمشكلة مياه الشرب في البصرة، بعد التداعيات الخطيرة التي نجمت عن ارتفاع نسب الملوحة والتلوث في مياه شط العرب، بالتوازي مع انخفاض الإطلاقات المائية الواردة من دول الجوار، وازدياد الطلب المحلي على المياه. 

ومنذ ذلك الحين، شرعت الجهات المعنية في إعداد الدراسات الأولية لمشاريع تصفية المياه وتحليتها، إلى جانب خطط لإعادة تأهيل الخطوط الناقلة وشبكات توزيع مياه الإسالة في المحافظة. 

تكللت جهود السلطات آنذاك بتوقيع عقود تنفيذ مشروعي تحلية سيحان والفاو جنوبي البصرة، بطاقةٍ إنتاجية بلغت 400 متر مكعب في الساعة لكل منهما، وقد تم تدشينهما لاحقاً من قبل نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، غير أن المشروعين توقفا سريعاً عن العمل، بسبب أخطاء تصميمية وتنفيذية. 

وفي سياق آخر، اتجهت الحكومة إلى التخطيط لجملة مشاريع إضافية، من بينها مشروع ماء البصرة الكبير بطاقة 199 ألف متر مكعب يومياً، ومشروع تحلية جنوب غرب البصرة بطاقة 250 ألف متر مكعب يومياً، ومشروع تحلية شط العرب بطاقة 250 ألف متر مكعب يومياً، ومشروع تحلية أبو الخصيب بطاقة 250 ألف متر مكعب يومياً، إضافة إلى مشروع تحلية مركز المحافظة بطاقة 300 ألف متر مكعب يومياً. 

أُبرمت عقود المرحلتين الثالثة والرابعة من مشروع ماء البصرة الكبير بتمويل مشترك عراقي-ياباني، قبل أن تُبرم لاحقاً عقود المرحلتين الأولى والثانية بتمويل من القرض الياباني. 

كما أنجز المكتب الاستشاري في جامعة ديالى الدراسات والتصاميم الأولية لمشروع تحلية جنوب غرب البصرة، واستُكملت إجراءات استملاك الأرض الخاصة به بمساحة 42 دونماً قرب ناظم شط البصرة، وصولاً إلى مرحلة إحالة المشروع إلى شركة “سي.سي.سي.سي” الصينية. 

كان من المقرر توقيع عقد التنفيذ منتصف حزيران 2014، غير أنّ سقوط محافظة نينوى بيد تنظيم “داعش” في 10 حزيران من العام ذاته، وما خلّفه من تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية، أدى إلى إرجاء توقيع العقد إلى أجل غير مسمى. 

الضياع في المتاهة 

بحلول عام 2015، وجدت الحكومة العراقية، برئاسة حيدر العبادي، نفسها مضطرة لاعتماد سياسة تقشف حادة، إثر الأزمة المالية التي عصفت بالبلاد، نتيجة الحرب ضد التنظيمات المتطرفة، وتزامنها مع الانخفاض الكبير في أسعار النفط عالمياً. 

وقد انعكس ذلك على تخفيض واسع في تخصيصات تنمية الأقاليم، فضلاً عن تقليص الموازنات الاستثمارية لمعظم الوزارات، الأمر الذي حال دون تمويل مشاريع جديدة. 

وبالنظر إلى الحاجة الماسّة لتنفيذ مشاريع الماء والمجاري في عدد من المحافظات، لجأت الحكومة إلى توجيه الدعوات لعدد من الشركات العالمية الكبيرة المتخصصة في مشاريع البنى التحتية، بهدف تنفيذ تلك المشاريع وفق نظام الاستثمار، غير أن جميع تلك الشركات اعتذرت عن المشاركة لأسباب مختلفة، باستثناء شركة “باي ووتر” البريطانية. 

ففي مطلع نيسان 2015، تلقت الشركة دعوة رسمية من الهيئة الوطنية للاستثمار، ممثلة برئيسها الأسبق سامي الأعرجي، وبعد أيام قليلة، وصل إلى بغداد رئيس مجلس إدارة الشركة ونائبه، حيث عقدا اجتماعاً مع الأعرجي وفريق من وزارة البلديات والأشغال العامة. 

عرض الفريق الوزاري على الشركة 12 مشروعاً، وهي مشاريع أُنجزت دراساتها وتصاميمها، إلى جانب عشرة مشاريع أخرى بحاجة إلى إعادة تأهيل وتطوير. 

ونظراً لعجز الحكومة عن تمويل هذه المشاريع، طلبت الوزارة من الشركة دراسة إمكانية تنفيذها وتمويلها بالكامل. 

عندها طلبت “باي ووتر” مهلة ثلاثة أشهر لبحث العرض وتقديم ردها النهائي. 

وبعد انقضاء المهلة المحددة بثلاثة أشهر، أبلغت شركة “باي ووتر” وزارة البلديات استعدادها لتنفيذ المشاريع المذكورة، لكن وفق نظام الدفع بالآجل وليس بنظام الاستثمار. 

وأوضحت الشركة أن الحكومة البريطانية تُبدي استعدادها لتمويل أعمال التنفيذ، مشيرة إلى أنها نجحت في استحصال موافقة مؤسسة تمويل الصادرات البريطانية “يو.كي.إي.أف” على ضمان قرض لصالح الحكومة العراقية بقيمة ملياري دولار، وبفائدة سنوية قدرها 3.9 بالمئة، وبفترة سداد تمتد إلى 18 عاماً، لتغطية كلفة تنفيذ تلك المشاريع. 

وقد أكدت الشركة ذلك من خلال رسالة إبداء اهتمام رسمية صادرة عن المؤسسة البريطانية، مؤرخة في 10 تموز 2015، وموجهة إلى الجانب العراقي. 

وما إن وصلت رسالة الدعم المشار إليها آنفاً إلى الجانب العراقي، حتى انطلقت جولات مفاوضات ماراثونية بين الطرفين، انتهت بتوقيع نطاق العمل الخاص بتلك المشاريع في 10 أيلول 2015. 

إثر ذلك، خاطبت وزارة البلديات وزارة المالية بغية إدراج تلك المشاريع ضمن قوانين الموازنة العامة لعامي 2016 و2017، لضمان الاستفادة من مبلغ القرض المخصص لها. 

كتاب وزارة الإعمار الموجه إلى وزارة المالية. 

لكن سرعان ما أبلغت الوزارة شركة “باي ووتر” بأن سلّم أولوياتها قد تغير، وأن إيجاد حل جذري لأزمة مياه الإسالة في البصرة أصبح يتصدر قائمة اهتماماتها، خصوصاً بعد أن شهدت المحافظة خلال صيف 2015 موجة تظاهرات جماهيرية حاشدة استمرت أشهراً عدة. 

بناء على ذلك، توجه ممثلو الشركة من بغداد إلى البصرة للتشاور مع الحكومة المحلية والجهات المعنية. 

أسفرت المشاورات عن الاتفاق على إرسال فريق فني متخصص لدراسة واقع قطاع المياه ميدانياً. 

وصل الفريق المكوّن من 11 خبيراً ومهندساً إلى البصرة في منتصف تشرين الثاني 2015، حيث مكث 15 يوماً، نفذ خلالها زيارات ميدانية شاملة لجميع المواقع بالتنسيق مع فريقي الوزارة والحكومة المحلية، بهدف تشخيص مواطن الخلل وتحديد نطاق الأعمال الكفيل بوضع حد لأزمة مياه الإسالة في المحافظة. 

تظاهرات في البصرة صيف 2015، تصوير الكاتب. 

وما إن أنهى الفريق الفني لشركة “باي ووتر” زيارته الأولى إلى البصرة، حتى بعثت الشركة رسالة إلى الحكومة المحلية، مرفقاً بها نطاق العمل الذي تم الاتفاق عليه بالتنسيق مع فريق الوزارة وفريق المحافظة، بغرض توقيعه من قبل الأخيرة، غير أن الرد جاء بالرفض، مع التأكيد على أن توقيع نطاق العمل يتطلب الاتفاق أولاً مع وزارة الإعمار والإسكان والبلديات والأشغال العامة. 

وبعد ذلك، تلقت الشركة رسالة أخرى من عبد المنعم خيون لازم، مدير مشروع ماء البصرة، بصفته مستشار ماجد النصراوي، محافظ البصرة السابق، أكد فيها استحالة تعديل نطاق العمل، لكونه يمثل الحل الوحيد لأزمة مياه الإسالة في المحافظة، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن مشروع تحلية مياه البحر لم يكن مدرجاً ضمن نطاق العمل المقترح. 

نطاق العمل المقترح. 

واستمرت وتيرة المفاوضات والمشاورات بين الطرفين بالتصاعد، ولاسيما بعد أن تمكنت شركة “باي ووتر” من رفع مبلغ التمويل إلى 2.7 مليار دولار. 

دفع ذلك وزارة الإعمار والإسكان والبلديات والأشغال العامة إلى مفاتحة مكتب رئيس الوزراء لطلب استصدار قرار من مجلس الوزراء، يقضي بتفويض الوزير صلاحية الإحالة والتعاقد، استثناءً من تعليمات تنفيذ العقود الحكومية، مع تشكيل لجنة متخصصة للتفاوض بشأن العرض المالي. 

كتاب وزارة الإعمار إلى مكتب رئيس الوزراء. 

وبالتوازي مع تصاعد وتيرة المفاوضات بين وزارة الإعمار والإسكان والبلديات والأشغال العامة وشركة “باي ووتر” البريطانية، كانت الأخيرة تسعى إلى رفع قيمة القرض المخصص للعراق من 2.7 مليار دولار إلى عشرة مليارات جنيه إسترليني. 

وما إن تحقق لها ذلك، حتى أصدر مجلس الوزراء قراره رقم 200 لسنة 2016، الذي نص ضمن بنوده على المضي قدماً في إجراءات اتفاقية القرض مع الحكومة البريطانية بمبلغ عشرة مليارات جنيه إسترليني. 

وقد تُوّجت تلك المساعي بتوقيع مذكرة تفاهم بين الحكومتين العراقية والبريطانية في الخامس من آذار 2017. 

قرار مجلس الوزراء رقم 200 لسنة 2016. 

وما إن صدر قرار مجلس الوزراء المشار إليه آنفاً، وتشكلت لجنة للتفاوض مع الجانب البريطاني بشأن اتفاقية القرض، حتى بادر رئيس اللجنة إلى مخاطبة شركة “باي ووتر”، لتحديد موعد للاجتماع والبدء بتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاقية بقيمة 2.8 مليار دولار، مع إدراج نص بهذا الشأن في قانون الموازنة العامة لعام 2017. 

غير أن المشهد سرعان ما تعقد مع انطلاق موجة من الاعتراضات والتشكيك بقدرات الشركة الفنية والمالية، إلى جانب طرح آراء ومقترحات بديلة لحل أزمة مياه الشرب في البصرة، ولاسيما من جانب الحكومة المحلية بشقيها التشريعي والتنفيذي آنذاك. 

وقد بلغ الأمر بالحكومة المحلية إلى حد تشكيل لجنة من أعضاء مجلس المحافظة وموظفين محليين، للتفاوض مباشرة مع الجانب البريطاني حول القرض المخصص لمشاريع تحلية المياه، في تجاوز واضح لحدود صلاحياتها واختصاصاتها. 

وأمام هذا الانقسام، تدخلت السفارة البريطانية لتقريب وجهات النظر وإزالة العقبات، فالتقى السفير الأسبق، فرانك بيكر، بالنصراوي، ثم التقى القائم بالأعمال برئيس مجلس المحافظة آنذاك صباح البزوني. 

وفي مطلع شباط 2017، عقدت اللجنة التي شكّلها البزوني اجتماعاً مع ممثلي “باي ووتر”، لترفع لاحقاً توصيتها إلى مكتب رئيس الوزراء بضرورة الإسراع في التعاقد مع الشركة. 

أمر إداري بتشكيل لجنة للتفاوض مع الجانب البريطاني بشأن القرض.  

وبسبب كثرة التدخلات من أطراف مختلفة، وتعدد الآراء بشأن الحلول المقترحة لمعالجة أزمة مياه الشرب في البصرة، وعدم حسم الجهات المعنية في المحافظة موقفها بهذا الشأن، اضطرت شركة “باي ووتر” إلى التشاور مع مديرية ماء البصرة باعتبارها الجهة المستفيدة. 

ومن هنا تبلورت فكرة جديدة، تقضي بتشييد محطة مركزية لتحلية مياه البحر بطاقة إنتاجية قدرها 800 ألف متر مكعب يومياً، بدلاً من إنشاء عدة محطات متفرقة في مركز المحافظة وأقضيتها. 

وعقب ذلك، أجرى خبراء الشركة دراسات لثلاثة مواقع مقترحة، بغرض اختيار الأنسب لتنفيذ المشروع. وبعد استكمال الدراسات، رجّح الخبراء موقع سيحان جنوبي قضاء أبي الخصيب، استناداً إلى اعتبارات عدة، أبرزها موقعه المتوسط بين قضاء الفاو ومركز محافظة البصرة، مما يتيح مرونة تشغيلية، فضلاً عن إمكانية استغلال مياه شط العرب في منطقة بعيدة عن مصادر التلوث في حال حدوث أي طارئ في محيط محطة السحب الرئيسة لمياه البحر في الفاو، إضافة إلى طبيعة الأرض في ناحية سيحان التي تختلف جذرياً عن طبيعة الأراضي في الفاو، ما يساعد على خفض كلفة الأعمال الإنشائية للمشروع. 

وبذلك بدأت مرحلة جديدة من مسلسل المفاوضات بين وزارة الإعمار والإسكان وشركة “باي ووتر”، اقتصرت هذه المرة على مشروع تحلية مياه البحر في البصرة حصراً، دون بقية المشاريع، سواء في البصرة أو في المحافظات الأخرى. 

مفاوضات عقيمة 

بحلول عام 2017، دخل إلى ميدان المنافسة مع شركة “باي ووتر” تحالف مكون من ثلاث شركات، هي “أس.كي”، و”سي.سي.سي”، و”أي.سي.دبليو.أي”، مدعوماً من أطراف داخلية، وبمؤازرة من البارونة إيما نيكلسون، رئيس مجلس الأعمال العراقي-البريطاني. 

وبعد مسار طويل من المفاوضات وما رافقه من معوقات وعراقيل كان لبعض شخصيات فريق الوزارة دور بارز في افتعالها، اضطرت “باي ووتر” إلى رفع الأمر مباشرة إلى نوفل أبو الشون، معاون مدير مكتب رئيس الوزراء الأسبق. 

في رسالة رسمية مؤرخة في 1 حزيران 2016، أوضحت الشركة نتائج اجتماعاتها الأخيرة مع فريق وزارة الإعمار والإسكان، وما واجهته من تعامل سلبي واضح من قبل الفريق. 

استناداً إلى الرسالة، أحال أبو الشون الملف إلى عبد الكريم فيصل، رئيس هيئة المستشارين في رئاسة الوزراء آنذاك، لدراسته وإبداء الرأي فيه. 

وفي 20 تموز 2017، وجّه فيصل رسالة إلى العبادي، كشف فيها عن جملة من الحقائق التي تعمّد فريق الوزارة تجاهلها أو التعامل معها بانتقائية، مؤكداً ضرورة إحالة المشروع بشقيه إلى شركة “باي ووتر” استثناءً من تعليمات تنفيذ العقود الحكومية، أو توجيه دعوة مباشرة لعدد من الشركات البريطانية لتقديم عروضها، مشيراً في الوقت ذاته إلى عدم وجود مناقصة معدّة مسبقاً تتضمن فقرات تفصيلية تسمح بالدخول في عملية تفاوض واضحة. 

رسالة رئيس هيئة المستشارين إلى رئيس الوزراء. 

وعقب عرض رسالة رئيس هيئة المستشارين على مجلس الوزراء في جلسته الاعتيادية، المنعقدة بتاريخ 25 تموز 2017، صدر قرار المجلس رقم 239 لسنة 2017، الذي تضمن الموافقة على قيام وزارة الإعمار والإسكان باتخاذ الإجراءات اللازمة لإحالة مشروع ماء البصرة (تحلية مياه البحر) بشقيه: الدراسة والتطوير، والتنفيذ والتشغيل، إلى شركة “باي ووتر” البريطانية بصورة مباشرة، استثناءً من تعليمات تنفيذ العقود الحكومية رقم 2 لسنة 2014، على أن تُقدر الكلفة الحقيقية للمشروع وتحال أعمال التنفيذ والتشغيل بالاعتماد على نتائج مرحلة الدراسة والتطوير، التي تقرها الوزارة والدراسات المعدّة لهذا الغرض. 

كما تضمن القرار موافقة المجلس على تشكيل لجنة برئاسة وكيل وزارة الإعمار والإسكان، وعضوية ممثلين عن وزارتي المالية والتخطيط ومحافظة البصرة، تتولى التعاقد مع شركة استشارية عالمية متخصصة، لمراجعة الكلف وإجراءات التحاسب مع الشركة المنفذة. 

إضافة إلى ذلك، شُكلت لجنة أخرى برئاسة ممثل عن هيئة المستشارين، وعضوية وكلاء وزارتي المالية والتخطيط، وممثل عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء، ومديري المشاريع الممولة من القرض البريطاني، تتولى مراقبة تنفيذ تلك المشاريع، وضمان الاستفادة القصوى من المبالغ المحددة سنوياً ضمن إطار القرض البريطاني. 

قرار مجلس الوزراء رقم 239 لسنة 2017. 

إلا أن وزارة الإعمار والإسكان سرعان ما غيرت نطاق العمل الذي سبق أن اتفقت عليه مع شركة “باي ووتر” قبل صدور قرار مجلس الوزراء رقم 239 لسنة 2017، إذ طلبت تشييد خمس محطات لتحلية المياه على شط العرب بدلاً من مشروع تحلية مياه البحر، رغم إدراك فريق الوزارة عدم جدوى تلك المحطات إذا ما أنشئت، وبذلك ظلت المفاوضات بين الطرفين مكانها من دون أي تقدم يذكر. 

إثر ذلك، أصدر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة بتاريخ 19 كانون الأول 2017، قراره رقم 418 لسنة 2017، الذي قضى بتشكيل لجنة برئاسة وزير العمل والشؤون الاجتماعية، ووزير الصناعة والمعادن وكالة آنذاك، محمد شياع السوداني، وعضوية كل من استبرق الشوك، وكيل وزارة الإعمار والإسكان، وضياء جعفر حجام، مستشار وزارة النفط. 

تولت هذه اللجنة مهمة تقييم عرض شركة “باي ووتر” الخاص بمشروع ماء البصرة (تحلية مياه البحر)، على أن ترفع توصياتها إلى رئيس مجلس الوزراء خلال شهر من تاريخ صدور القرار. 

قرار مجلس الوزراء رقم 418 لسنة 2017.  

وفي خرق واضح وصريح لنص قرار مجلس الوزراء رقم 418 لسنة 2017، الذي حصر مهمة اللجنة بتقييم عرض شركة “باي ووتر” البريطانية، أقدمت اللجنة على مقابلة ممثلي تحالف “أي.سي.دبليو.أي، وسي.سي.سي، وأس.كي” أولاً، ومناقشة عرضهم بشأن مشروع تحلية مياه البحر في البصرة، قبل أن تجتمع بممثلي “باي ووتر” لمناقشة عرضهم المتعلق بالمشروع ذاته. 

وقد كشف هذا التصرف بجلاء حجم الضغوطات والتدخلات التي أحاطت بمسار المفاوضات حول المشروع. 

وفي ختام أعمالها، رفعت اللجنة تقريرها إلى العبادي، متضمناً تقييم العروض المقدمة من الشركات المتنافسة، مع التوصية بسحب ملف المشروع من وزارة الإعمار والإسكان، التي أثبتت عدم قدرتها على إدارة ملف بهذا الحجم، وإنشاء هيئة تنفيذية خاصة تتولى إدارته، ليصدر قرار مجلس الوزراء رقم 58 لسنة 2018. 

قرار مجلس الوزراء رقم 58 لسنة 2018. 

ولتدعيم موقفها في مواجهة حملات التشكيك الممنهجة في إمكاناتها المالية والفنية، والتي استمرت رغم رسائل الدعم المتكررة التي بعثت بها الحكومة البريطانية والمؤسسات المالية البريطانية إلى الجانب العراقي، أقدمت شركة “باي ووتر” مطلع شباط 2018، على الدخول في شراكة مع واحدة من الشركات العالمية الكبيرة المتخصصة في مجال الطاقة، وهي شركة “وود” البريطانية، وبهذا تأسس تحالف “باي ووتر-وود” الذي ينضوي تحت لوائه سبعاً من الشركات البريطانية الكبيرة المتخصصة في مجالات عملها، وهي “جنرال إلكتريك يو.كي، رولز رويس، دبليو.أس أتكينز، وير جروب، بريتيش ستيل، إدواردز، جي.ثري-باكسي”. 

تنفيذاً لقرار مجلس الوزراء رقم 58 لسنة 2018، تم تشكيل الهيئة التنفيذية لمشروع تحلية مياه البحر في البصرة، برئاسة الشوك وعضوية عدد من المسؤولين، غير أن هذه الهيئة أخفقت إخفاقاً ذريعاً في إدارة الملف. 

وفي نهاية المطاف، وبعد انتهاء ولاية حكومة العبادي وتشكيل حكومة جديدة، خلفه عادل عبد المهدي. وجّه رئيس الهيئة كتاباً إلى بنكين ريكاني، وزير الإعمار والإسكان والبلديات والأشغال العامة في الحكومة الجديدة، طالباً منه مفاتحة الأمانة العامة لمجلس الوزراء لإصدار قرار يقضي بإعادة ارتباط الهيئة التنفيذية لمشروع تحلية ماء البصرة بوزارة الإعمار والإسكان، ففعل الوزير ذلك. 

واستناداً إلى ما ورد في كتاب وزارة الإعمار والإسكان المشار إليه، أصدر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة بتاريخ 27 تشرين الثاني 2018، قراره رقم 24 لسنة 2018، القاضي بإعادة ارتباط الهيئة التنفيذية لمشروع ماء البصرة بوزارة الإعمار والإسكان، وإعادة تشكيلها من متخصصين في الوزارة والجهات القطاعية الأخرى ذات العلاقة بمجالَي الماء والموارد المائية، إضافة إلى ممثلين عن محافظة البصرة. 

كما ألزم القرار الوزارة بتنفيذ المشروع وفق آلية القرض البريطاني وتعليماته، وقرارات مجلس الوزراء ذات الصلة. 

وتضمن القرار أيضاً إلغاء نص المادة الثانية من قرار مجلس الوزراء رقم 184 لسنة 2018، التي كانت قد منحت رئيس الهيئة التنفيذية صلاحيات الوزير المختص، بما في ذلك الصلاحيات الإدارية، والمالية، والقانونية، والفنية. 

قرار مجلس الوزراء رقم 24 لسنة 2018. 

وفي مخالفة صريحة لما ورد في الفقرة الأولى من قرار مجلس الوزراء رقم 24 لسنة 2018، أقدمت وزارة الإعمار والإسكان على تجاهل الشركات الاستشارية البريطانية، واتجهت بدلاً من ذلك إلى التعاقد مع شركة “آي.إل.أف” الاستشارية النمساوية، بتمويل من تخصيصات الوزارة الاستثمارية، مع تخويل رئيس الهيئة التنفيذية لمشروع تحلية ماء البصرة صلاحية توقيع العقد مع الأخيرة، وهو ما يعد تجاوزاً للصلاحيات القانونية. 

وقد تبلورت نتيجة لذلك فكرة جديدة تقوم على تشييد محطة لتحلية مياه البحر في قضاء الفاو، في أقصى جنوب البصرة، بطاقة إنتاجية تبلغ مليون متر مكعب يومياً، وتعتمد على مياه البحر مصدراً وحيداً للماء الخام.

وتأتي هذه الفكرة بديلاً عن الفكرة السابقة، التي كانت تقوم على أساس تشييد محطة لتحلية مياه البحر في منطقة سيحان جنوبي قضاء ابي الخصيب، بطاقة إنتاجية تبلغ 800,000 متر مكعب يومياً، وتعتمد على مياه البحر كمصدر رئيسي، إضافة إلى مياه شط العرب في أبعد نقطة عن مصادر التلوث كمصدر ثانوي يُستخدم في حالات الطوارئ.

مراسم توقيع عقد الأعمال الاستشارية مع شركة ILF النمساوية. المصدر: السوشيل ميديا.

واستمر مسلسل التسويف والمماطلة من جانب الفريق الحكومي، حتى بعد انسحاب تحالف الشركات المنافسة وبقاء تحالف “باي ووتر-وود” وحيداً في الساحة. 

ومع تشكيل حكومة مصطفى الكاظمي، سرى في الأوساط أن وزيرة الإعمار والإسكان آنذاك قد اشترطت انضمام شركتين إلى التحالف، كشرط لإصدار قرار من مجلس الوزراء يقضي بالتعاقد معه لتنفيذ المشروع، وهما شركة مجموعة الرضا للاستثمارات العقارية والترفيهية والصناعية والزراعية، وشركة سامسون مكينا التركية. 

ويبدو أن تحالف “باي ووتر-وود” قد اضطر إلى الموافقة على طلب الوزيرة بانضمام الشركتين، وما إن تم إشعار الوزارة رسمياً بانضمامهما إلى التحالف، حتى أصدر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة بتاريخ 7 أيلول 2021، قراراً يتضمن تخويل وزارة الإعمار والإسكان توقيع عقد مشروع تحلية مياه البحر في البصرة مع ائتلاف “الرضا-سامسون ماكينا-باي ووتر-وود” وفق دراسة الاستشاري النمساوي “آي.إل.أف”، مع الاستعانة بشركة استشارات قانونية دولية، وتكليف المصرف العراقي للتجارة “تي.بي.آي” بإدارة تمويل المشروع من القرض البريطاني بالتنسيق مع مؤسسة “يو.كي.إي.أف”. 

غير أن الفريق الحكومي واصل نهج التسويف والمماطلة، بالتزامن مع اعتراض الحكومة المحلية في البصرة على القرار المشار إليه آنفاً، ومطالبتها بتولي إدارة ملف المشروع. 

وقد دفع ذلك شركة “وود” البريطانية إلى الانسحاب رسمياً، لتلحق بها لاحقاً شركة “سامسون ماكينا” التركية، دون أن تعلن الأخيرة عن الأسباب الحقيقية وراء انسحابها، قبل أن تعلن شركة “باي ووتر” انسحابها هي الأخرى رسمياً. 

ومع حلول عام 2023، شُرّع قانون الموازنة الاتحادية للأعوام 2023، 2024، 2025، متضمناً إدراج مشروع تحلية مياه البحر في البصرة ضمن القروض الجديدة، وتحديد كلفته بثلاثة مليارات دولار أمريكي، مع تحويل ملف المشروع إلى محافظة البصرة، من دون بيان الجهة المقرضة. 

تهدئة مؤقتة 

في جلسته المنعقدة بتاريخ 12 آذار 2024، أصدر مجلس الوزراء قراراً يقضي بتخويل محافظ البصرة صلاحية توقيع الاتفاقية الإطارية مع الشركات المنفذة لمشروع تحلية مياه البحر في البصرة، بغية تمكين ائتلاف الشركات من استكمال المخططات والتصاميم، وإجراء المسوحات الأولية للمشروع، على ألّا يترتب على ذلك أي التزامات مالية على المحافظة. 

وبناء على ذلك، وقع أسعد العيداني الاتفاقية الإطارية مع ائتلاف “الرضا-باور تشاينا” في 16 آذار 2024. 

لكن مجلس الوزراء عاد في جلسته المنعقدة بتاريخ 2 نيسان 2024، ليصدر قراراً يقضي بإلغاء طلبات اقتراض بقيمة 5.8 مليار دولار أمريكي، كانت مخصصة لتمويل مشروعي تحلية مياه البحر في البصرة، والقطار المعلق في بغداد، على أن يُمول مشروع التحلية من تخصيصات المحافظة ضمن برنامج تنمية الأقاليم، فيما يُطرح مشروع القطار المعلق للاستثمار. 

وفي جلسته المنعقدة بتاريخ 20 أيار 2025، أقر مجلس الوزراء زيادة كلفة مشروع تحلية مياه البحر في البصرة، مع التأكيد على وزارة المالية إدراج المشروع ضمن خطة مشاريع عام 2025، بهدف توفير التخصيص المالي اللازم له، ليبقى أهالي البصرة مترقبين إرسال الحكومة جداول قانون الموازنة العامة لعام  2025، إلى البرلمان ومصادقة الأخير عليه، ليصار إلى نشره في الجريدة الرسمية، تمهيداً لصدور قرار من مجلس الوزراء بمنح محافظ البصرة صلاحية توقيع عقد المشروع، نظراً لكون كلفته تفوق الصلاحيات المالية المقررة للمحافظة بموجب القوانين والتعليمات النافذة، ومن ثم المباشرة في أعمال تنفيذ المشروع. 

وعندما وضع السوداني حجر الأساس للمشروع، أعلن أيضاً عن انطلاق الأعمال التنفيذية له. 

السوداني يضع حجر الأساس لمشروع محطة تحلية مياه البحر. المصدر: السوشيل ميديا.

غير أن كثيراً من المراقبين اعتبروا الإعلان عن بدء التنفيذ قبل توقيع عقد المشروع خطوة متسرعة، تهدف إلى امتصاص غضب السكان وتهدئة موجة التململ الشعبي، خصوصاً مع تراكم تجارب سابقة شهدت وضع أحجار أساس مشابهة وانتهت إلى الفشل أو الإهمال. 

وبذلك، بدا حجر الأساس الجديد أقرب إلى محاولة سياسية لشراء الوقت، لا إلى بداية عملية لإنجاز طال انتظاره.