من بريمر إلى السوداني.. “خلطة الفياض” السحرية للبقاء في المنصب 

آدم حسين / 6 تشرين الثاني 2025

يملك فالح الفياض، رئيس هيئة الحشد الشعبي، ما يمكن تسميته بـ"سر الخلطة" ليكون أقدم موظف بدرجة خاصة في العراق.. سيرة الفياض محكوماً بالإعدام وحاكماً بالقمع..


يعد فالح الفياض، رئيس هيئة الحشد الشعبي، أقدم موظف بدرجة خاصة في العراق بعد 2003، ويستمر في عمله منذ 11 سنة من دون انقطاع، باستثناء خمسة أشهر. عاصر سبعة رؤساء حكومات ويطمح إلى البقاء في بلد يُعدّ الحفاظ فيه على منصب لمدة طويلة أشبه بالمعجزة، وخاصة على رأس مؤسسة مثيرة للجدل مثل “الحشد”. 

ولا شك أن الفياض يملك “سر الخلطة” التي جعلته “حياً” حتى الآن، على الرغم من محاولات إعدامه “البيولوجية” و”السياسية” أكثر من مرة. 

فصدام حسين، رئيس النظام السابق، أنقذ رئيس الحشد مرة من الموت قبل نحو 40 عاماً، فيما يحاول الآن رفاقه الشيعة “قتله سياسياً”. 

بعثر الفياض مرتين أوراق التحالف الشيعي وخرج منتصراً، وحاول إعادة ترتيب أوراقه في “قانون” عُرض على البرلمان سابقاً، لضمان البقاء في منصبه. 

قانون للبقاء 

تحالف محمد شياع السوداني رئيس الوزراء الحالي مع الفياض، وأنقذ الأخير من الوقوع في “فخ التقاعد”، وهو فخ تنصبه حركة العصائب بزعامة قيس الخزعلي، الذي يربطه بالفياض تاريخ قريب من الخلافات. 

والآن، يدخل السوداني والفياض معاً إلى انتخابات 11 تشرين الثاني تحت مظلة “ائتلاف الإعمار والتنمية”، الذي يضم أيضاً ائتلاف الوطنية بزعامة إياد علاوي، وتجمع بلاد سومر برئاسة أحمد الأسدي، وتحالف إبداع كربلاء برئاسة نصيف الخطابي، وتجمع أجيال برئاسة محمد الصيهود، وتحالف حلول الوطني برئاسة محمد صاحب الدراجي. 

وقد سبق للسوداني أن صرّح في لقاء تلفزيوني بقوله: “الخلاف على قانون الحشد بسبب اقتراب الفياض مني”. 

واتهم الخزعلي رئيس الحكومة بسحب نسخة سابقة من “قانون الحشد” لصالح الفياض. 

وقال الخزعلي في خطبة عيد الفطر الأخير: “إن رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة سحب قانون الحشد الشعبي من البرلمان”، مبينا أنه “يوجد تفضيل لصالح رئيس هيئة الحشد الشعبي على حساب حقوق المجاهدين، وهذه جريمة”. 

سحب السوداني، بحسب محمد عنوز عضو اللجنة القانونية في البرلمان، قانوناً سابقاً تحت اسم “خدمة وتقاعد الحشد”، وأرسل قانوناً آخر واجه النواب صعوبة في فهم نصوصه. 

يقول عنوز لجمّار: “إن الفياض كان سيبقى وقتاً طويلاً في منصبه على ما يبدو من صيغة القانون”، بعد محاولات سابقة لإبعاده. 

وقرأ البرلمان “قانون هيئة الحشد الشعبي” أول مرة في آذار الماضي، بعد أكثر من شهر على تعطل المجلس. 

ووفقاً لبنود القانون الجديد، الذي تسرّب جزء منه إلى الإعلام، فإن رئيس الهيئة سيكون بـ”درجة وزير”. 

هذه العبارة تبدو وكأنها تمنح الفياض البقاء في المنصب من دون النظر إلى سنّه القانونية، يضيف عنوز: “شأنه شأن رئيس الجمهورية ووزير الموارد المائية، وعدد من رؤساء الهيئات والمحافظين الذين بلغوا سن التقاعد وما زالوا مستمرين في العمل”. 

وهذا يعني أن التصويت على الوزير أو المحافظ في البرلمان يضمن بقاءه في الخدمة بغض النظر عن سنه القانونية. 

واعتبرت بعض القوى الشيعية داخل الإطار التنسيقي هذا البند “التفافاً” على مطالب إقالة الفياض، وفق ما يقول النائب. 

وأشارت المسودة الجديدة إلى أن يكون رئيس الهيئة “بدرجة وزير، وعضواً في اللجنة الوزارية للأمن القومي”. 

وبإمكان رئيس الهيئة تخويل بعض صلاحياته إلى رئيس الأركان أو الأمين العام للهيئة، وعليه أن يمارس صلاحيات وزير الدفاع لتطبيق القوانين العسكرية على منتسبي الهيئة، وفق القانون الجديد. 

وكانت كتلة العصائب قد طالبت الفياض مرات عدة بالتنحي عن المنصب. 

ويُعتقد أن سحب الحكومة لمسودة القانون السابق جاء بضغط من الفياض وبدعم من إيران. 

قال علي تركي، النائب في كتلة العصائب، في 18 شباط الماضي: “إن الفياض سافر إلى إيران في محاولة مفترضة لحشد دعم طهران لعرقلة تشريع قانون الخدمة والتقاعد السابق، وبعد ثلاثة أسابيع، تم سحب مشروع القانون من التداول، على الأقل بشكله الحالي”. 

وتعود مطالب الخزعلي وكتلته بإقالة الفياض من منصبه إلى انتخابات مجالس المحافظات عام 2023، التي قرر فيها الأخير إنشاء تحالفات “منفردة” مع القوى السنية في صلاح الدين والموصل، وهو ما خرّب تحالفات وتفاهمات شيعية هناك. 

وتتهم العصائب الفياض بأنه استغل منصبه في الانتخابات، فيما كانت قد فشلت محاولات تمديد بقائه في المنصب، في قانون الحشد السابق، ما بين عام إلى خمسة أعوام. 

يقول خالد العرداوي، الباحث والأكاديمي، لجمّار: “إن نصوص القانون الجديد تُظهر وجود نية لتأسيس جيش مواز، ومهام رئيس هيئة الحشد تعادل مهام وزير الدفاع”. 

ووفق المسودة الجديدة، يجب أن يكون رئيس الحشد حاملاً لشهادة جامعية، وله خدمة لا تقل عن عشر سنوات في الهيئة، أو أن يكون ضابطاً برتبة فريق أول ركن، فيما لم تحدَّد “سن التقاعد” أو طريقة العزل. 

وبعد كل الجدل سحبت الحكومة النسخة الجديدة للقانون من البرلمان، وفق ما أفاد حسين البطاط، النائب عن كتلة دولة القانون، في 27 آب 2025، قائلاً: “إن هناك ضغوطاً تُمارس من بعض الدول على الحكومة لتعطيله”. 

من هو الفياض؟ 

ولد فالح الفياض في بغداد عام 1956، لعائلة تتولى مشيخة عشيرة “البو عامر البو خميس” في مناطق شمال شرقي العاصمة، منذ زمن طويل. 

تخرج من هندسة الكهرباء في جامعة الموصل عام 1977، (سيخرق بعد ذلك بسنوات قوانين اللعبة ويُعيِّن في الموصل نواباً سُنّة تحت إدارة شيعية). 

سياسياً، انضم الفياض إلى حزب الدعوة الإسلامية – الذي يقوده الآن نوري المالكي- واعتُقل عام 1980، وحُكم عليه بالسجن المؤبد، لكنه قضى في السجن فعلياً خمس سنوات. 

وبخصوص اعتقاله، يروي الفياض خلال مقابلة تلفزيونية في أيار 2019، أن صدام حسين زار منطقة سكناه في الراشدية شمالي بغداد، وشرب القهوة في مضيف عشيرته، وبعدما عرف أن أحد أفراد العائلة معتقل أمر بإطلاق سراحه فوراً. 

ويضيف الفياض أن “صدام لم تكن لديه تفاصيل بخصوص القضية التي اعتُقلتُ من أجلها (الانتماء لحزب الدعوة)، ولا حتى بإعدام أخي رائد، فعندما جاء أمر الإفراج عني شمل أيضاً أخي رائد، لكنه كان قد أُعدم فور اعتقاله”. 

ولفت إلى أن “صدام حسين في تلك الفترة، كان يملك الرقاب وأصدر عفواً عني بهذه الطريقة، من دون أن يسأل ما هي القضية التي سُجنت بسببها مع أخي وابن عمي نصر، الذي كان ضابطاً في الجيش برتبة مقدم”. 

تولى الفياض عام 2004 منصباً تنفيذياً في مكتب رئيس الجمهورية، ضمن الذين تم ترشيحهم عقب تسليم الحاكم المدني الأمريكي آنذاك، بول بريمر، السلطة في تلك السنة ذاتها، وهو الذي اختار إياد علاوي أول رئيس للوزراء، واختار غازي الياور لمنصب رئيس الجمهورية. 

أصبح الفياض عضواً في أول “جمعية وطنية” بعد الغزو الأمريكي في 2003، ثم عضواً في أول برلمان عام 2005، عن قائمة “الائتلاف الوطني العراقي”. 

وعلى الرغم من أنه أصبح قيادياً في حزب الدعوة بزعامة المالكي، إلا أنه ما لبث أن انشق عن الحزب، ودخل في “تيار الإصلاح” الذي يتزعمه إبراهيم الجعفري، القيادي السابق أيضاً في الدعوة، الذي سينشق عنه بعد ذلك. 

حكايته مع الجعفري 

حين أقصي الجعفري من منصب رئيس الحكومة في 2006، وذهب المنصب إلى المالكي، كان الفياض قد قرر الانضمام إلى “تيار الإصلاح” الذي أسسه الجعفري، كردة فعل من الأخير على ما جرى، بحسب قيادات في الدعوة. 

لكن الفياض نفى في تصريحات عام 2008، انسحاب الجعفري من صفوف الدعوة أو انقلابه على قياداته، مضيفاً أنه “حريص على وحدة الصف من موقع الفعل والرؤية المستقبلية”. 

يقول سليم الحسيني، مستشار الجعفري، عن أسرار تنحيته: “إن أحد أسباب ما حدث هو الأخطاء التي ارتكبها ممثله داخل الائتلاف الوطني الشيعي فالح الفياض”. 

ويضيف الحسيني في تصريحات عام 2007، أن “إيران قامت بدور مخادع في تولي الجعفري رئاسة الحكومة العراقية، وأبلغت ممثله إلى طهران، فالح الفياض، بأنها تدعم الجعفري بقوة، وأنها ستضغط على الحكيم (عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الأعلى السابق) لسحب معارضته له”. 

وبحسب الحسيني، قامت إيران بـ”تخدير” الجعفري، بينما كانت تدعم عادل عبد المهدي (رئيس الوزراء الأسبق) لتولي المنصب، واقتنع الفياض بهذه الخدعة. 

ويتابع الحسيني أن “الفياض ارتكب في مفاوضات الترشيح أخطاء كثيرة، لسوء تقديراته لمجريات الأمور، الأمر الذي أثر على موقف الجعفري وأضعفه كثيراً”. 

ويؤكد مستشار الجعفري أن الفياض “لم يكن يعرف بشكل صحيح حقيقة مواقف أطراف الائتلاف الشيعي من الجعفري”. 

وقبل يوم من التصويت، والكلام للحسيني، على ترشيح عبد المهدي أو الجعفري، أبلغ الفياض قيادة حزب الدعوة أن هناك 76 عضواً سيصوتون للجعفري، ولكن ظهر عند التصويت أن عددهم لم يتعدَّ 64. 

ومن أخطاء الفياض الأخرى، التي تحدث عنها الحسيني، انفراده بالمفاوضات وعزله مستشاري الجعفري عن مجرياتها وعدم الاستماع لنصائحهم. 

من المالكي إلى العبادي 

في 2010، عين المالكي فالح الفياض مستشاراً للأمن القومي، ثم وزيراً للأمن الوطني بالوكالة في 2011، حين كانت وزارة دولة بلا حقيبة. 

لم يُعرف بالتحديد سبب اختيار المالكي للفياض، على الرغم من اعتراض حزب الفضيلة والمجلس الأعلى الإسلامي على المنصب الأخير. 

وفي نهاية 2011، اصطحب المالكي الفياض في زيارة إلى واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، (سيزور الفياض واشنطن ثلاث مرات بعد ذلك قبل وضعه على لائحة العقوبات الأمريكية). 

فتح الفياض أول قناة تواصل مع بشار الأسد، الرئيس السوري المخلوع، في 2011، حين أوفده المالكي مع النائب السابق عزت الشابندر إلى دمشق. 

وبحسب الفياض، فإن لقاء الأسد كان يهدف إلى مناقشة “المبادرة العراقية لحل الأزمة السورية”، التي طرحها المالكي أثناء زيارته في تلك السنة إلى واشنطن (ستستمر زيارات الفياض إلى الرئيس السوري حتى قبل الإطاحة بالأخير بوقت قصير). 

طُرح اسم الفياض لرئاسة الحكومة خلفاً للمالكي لأول مرة في 2014، إلى جانب أسماء أخرى، أبرزها عبد المهدي وحسين الشهرستاني. 

كان الفياض قد خاض “مهمات صعبة” في دمشق وأنقرة، حيث أوفده المالكي إلى الأخيرة في 2012. 

ذهب المنصب في النهاية إلى حيدر العبادي، ليصطف معه الفياض ثم ينهي آماله بولاية ثانية بعد ذلك بأربع سنوات. 

قائد “الجيش الرديف 

في حزيران 2014، أعلن الفياض أن المالكي أمر بتشكيل “مديرية الحشد الشعبي لتنظيم تدفق المتطوعين” عقب سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على أجزاء كبيرة من العراق. 

كُلف الفياض بالإشراف على المديرية، وبقي متمسكاً بالمنصب حتى الآن، على الرغم من كل محاولات الإطاحة به. 

وقال الفياض في مؤتمر صحفي في لحظة تفويج المتطوعين: “إن عملية التطوع ليست وقتية، بل ستكون بمثابة جيش رديف تُحدد له مهمات مستقبلية لحماية العراق”. 

حوّل الفياض سيطرته على الحشد إلى ورقة انتخابية، كما سيتهمه بعد ذلك العبادي والعصائب وزعيمها. 

تفرد الفياض بالمنصب، ولم يزاحمه سوى أبي مهدي المهندس، نائب رئيس الهيئة (قتل مطلع 2020 بغارة أمريكية قرب مطار بغداد)، حتى يزيحه تدريجياً بعد ذلك بكتاب “هيكلية الحشد” في 2019. 

تحمس الفياض لإصدار قانون الحشد الشعبي في 2016، وكان نصاً لا يضم سوى مادتين، واعترضت عليه السّنة. 

وقال الفياض في ذلك الوقت، إنه بتصويت البرلمان على قانون الحشد الشعبي أصبح “الحشد هو العراق والعراق هو الحشد”. 

وأضاف الفياض في مؤتمر صحفي عقده ببغداد في تشرين الثاني من تلك السنة، أنه “لن تكون هناك إرادة خاصة بالحشد تختلف عن إرادة الدولة العراقية، وهذا القانون يُطمئن الجميع”. 

كان تشريع قانون الحشد مستنداً إلى أمر ديواني أصدره العبادي، رئيس الوزراء الأسبق، يخص تنظيم هذه المجموعة العسكرية، قبل أشهر قليلة من تمرير التشريع. 

أبرز نقطة في الأمر الديواني كانت تتحدث عن “فك الارتباط السياسي” لمنتسبي هيئة الحشد الشعبي من الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية كافة، و”عدم السماح بالعمل السياسي في صفوفه”، وقد حدث ذلك شكلياً، لكن على الأرض ما زالت هذه الفصائل تابعة لقوى سياسية مشاركة بالحكومة. 

قبل أيام فقط من تمرير القانون، استغرب نواب من قيام العبادي بسحبه من السلطة التشريعية لتعديله، لكن في النهاية خرج النص ضعيفاً ومقتضباً، ولم يتمكن العبادي من إجراء تعديلات بسبب “ضغط الفصائل”. 

رجح الفياض، منفرداً من دون رأي الحكومة، في 2016، بأن الحشد الشعبي قد يدخل الأراضي السورية بعد تحرير الموصل، عازياً السبب في ذلك إلى ملاحقة عناصر داعش. 

كان “العمل السياسي” داخل الهيئة يؤرق العبادي الذي فقد السيطرة تماماً على الحشد، خصوصاً بعد انقلاب حليفه السابق الفياض عليه. 

حركة لـ”التوازن مع الأفكار” 

عام 2017 شكل الفياض تكتلاً سياسياً أطلق عليه اسم “حركة عطاء” من أجل “خلق حالة توازن فكري مع الشيوعية والعلمانية والقومية العربية وغيرها من الأفكار الأخرى” بحسب الموقع الرسمي للحركة. 

حتى ذلك الوقت، كان رئيس الحشد ضمن “إصلاح الجعفري” الذي انشق عنه رسمياً بتأسيس الحركة الجديدة، التي سيعلن بعد ذلك بخمس سنوات “تجميد مسؤولياته” داخلها، ويصف نائبٌ سابق هذا الإجراء بأنه “خدعة”. 

الفياض تقرب من فريق “الفصائل” بعد أن فاز مع العبادي في انتخابات 2018، ما دفع الأخير في أيار من ذلك العام إلى معاقبته بإقصائه من منصب مستشار الأمن القومي والحشد، بحجة “انخراطه في العمل السياسي”، وبعد خمسة أشهر أعاده القضاء إلى رأس الهيئة. 

كان “العمل السياسي” غطاء لما يجري في الكواليس داخل هيئة الحشد، وظهر بعد ذلك أنه يتعلق بـ”تمويل أحزاب” من خلال رواتب الهيئة. 

قال العبادي في مقابلة مع التلفزيون العراقي الرسمي، عقب خروجه من السلطة في 2019: “إن قيادات في الحشد الشعبي جمعت ثروات على حساب المال العام في ظروف غامضة”. 

وفي 2018، كانت وثيقة متداولة في وسائل الإعلام المحلية “تمنع تحركات الحشد من دون موافقة العبادي”. 

واتهم الحشد في بيان آنذاك العبادي بأنه يتبع سياسة “لَيّ الأذرع”، وبأنه يحجب مخصصات المقاتلين. 

في ذلك الوقت، قُتل قاسم ضعيف رئيس مالية الحشد في ظروف غامضة. وقال العبادي في أيار 2018 عن ضعيف: “إن قتَلة الأخير لن يخيفوني”، وتحدث عن ضلوع قادة “فاسدين” في الحشد في عملية اغتياله. 

قبل ذلك بعام واحد، دعا العبادي خلال اجتماعه بقادة الحشد الشعبي إلى “الانضباط بالتصريحات بقدر الانضباط في المعركة”. 

وفي 2018، بعثر الفياض أوراق العبادي حين انشق عنه وذهب إلى معسكر هادي العامري، زعيم منظمة بدر وبقية الفصائل، وأتم تفاهمات انتهت بتولي عادل عبد المهدي رئاسة الحكومة. 

الهيكلة الأولى 

في تموز 2019، أصدر عبد المهدي أمراً ديوانياً بـ”هيكلة الحشد”، (سيكون نواة قانون هيكلة الحشد الجديدة في 2025). 

الهيكلة الجديدة لم تكن تتضمن منصب “نائب رئيس الحشد”، وهو المنصب الذي كان يشغله أبو مهدي المهندس. 

غطت احتجاجات تشرين الأول في ذلك العام على تلك الأخبار، وظهر انقسام داخل الحشد بسبب تفجيرات مجهولة لعتاد الفصائل، وحملات “إساءة متبادلة” بحسب تقارير محلية، مُنعت بخطاب رسمي من الهيئة. 

وفي كانون الثاني 2020، قتل المهندس بحادثة المطار الشهيرة إلى جانب الجنرال الإيراني قاسم سليماني. 

في تموز 2020، قرر مصطفى الكاظمي، رئيس الوزراء السابق، إقالة الفياض من مهامه في رئاسة الأمن الوطني (سيتحول إلى جهاز الأمن الوطني بقانون سنة 2021)، وتعيين الضابط المتقاعد وقائد أحد محاور معركة الموصل عام 2017، الفريق الركن عبد الغني الأسدي بدلاً منه. 

كما أقيل الفياض من منصبه كمستشار للأمن القومي، وعُين بدلاً منه وزير الداخلية الأسبق قاسم الأعرجي، لكنه بقي محتفظاً برئاسة الحشد. 

رجحت تقارير أن إبعاد الفياض عن عدد من المناصب كان بسبب قربه من “محور إيران”، كما توقعت تلك التقارير حينها إبعاده عن رئاسة الحشد، وهو ما لم يحدث حتى الآن. 

حل أبو فدك، وهو عبد العزيز المحمداوي القيادي في كتائب حزب الله، محل المهندس، لكن كرئيس أركان وليس كنائب لرئيس الحشد، وفق قرار من عبد المهدي. 

قالت تقارير محلية، إن طهران خيرت الفياض بين القبول بـ”أبي فدك” أو الإقالة، قبل أن يُشمل الاثنان بالعقوبات الأمريكية سنة 2021. 

وفي صيف 2024، اتُهم الفياض بأنه وراء قرار رئيس الحكومة عزل أبي زينب اللامي، مدير أمن الحشد، قبل أن تحبط “حوثيات” (وهي سيارات عسكرية يستخدمها الحشد) الخطة بعد أن طوقت مبنى هيئة الحشد في بغداد. 

وكان رئيس الحشد حينها يتفقد قطعات عسكرية في الموصل، فيما كان الحدث قد تزامن مع هجمات “مجهولين” على سلسلة مطاعم أمريكية في بغداد. 

لماذا لم يصبح رئيساً؟ 

طُرح اسم الفياض مرة أخرى لرئاسة الحكومة في أصعب مرحلة مر بها العراق بعد 2003، عقب انسحاب مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري من السياسة صيف 2022. 

بقي الفياض مُصرّاً على ترشيحه وباقي “الحِجاج”، وهي التسمية التي تطلق على القيادات الشيعية الرئيسية، مثل المالكي والعبادي وغيرهم، حتى تم الاتفاق على منح المنصب للخط الثالث، وذهب إلى السوداني. 

في تلك الفترة، قرر الفياض بشكل مفاجئ “تجميد مسؤولياته” في حركة عطاء. 

قال حسن فدعم، نائب سابق وقيادي في تيار الحكمة، بعد ذلك بعامين، “إن قرار الفياض التخلي عن رئاسة عطاء خدعة تفعلها أحزاب وفصائل قبل الانتخابات”. 

حصل الفياض على أربعة مقاعد في انتخابات 2021، ثلاثة منها لنواب سنّة، اثنان من نينوى وواحد من كركوك، تحت اسم “تحالف العقد الوطني”. 

أحدث رئيس الحشد خرقاً شيعياً نادراً في المناطق ذات الأغلبية السنية، وتحالَفَ في انتخابات 2023 المحلية الأخيرة مع الحزب الإسلامي. 

هاجم محمد الحلبوسي، رئيس البرلمان السابق، الفياض بسبب قانون الحشد الأول، الذي سحبه السوداني واستبدل به آخر ثم سحبه أيضاً، وفُسر هجومه بسبب تحركات رئيس الحشد في مناطق نفوذ الحلبوسي. 

اعتبر الحلبوسي القانون الذي قدمه الفياض ووافقت عليه الحكومة في أيار الماضي مستخدَماً لـ”أغراض انتخابية”. 

وقال الحلبوسي في تدوينة عبر منصة “إكس” في تموز 2024، متحدثاً عن القانون: “إنه لا يتضمن نصاً يكون فيه رئيس الهيئة رئيساً لحزب سياسي”. 

كما أشار زعيم “تقدم” ضمنياً إلى أن رئيس كتلة عطاء، وهو الفياض، يستخدم هذا القانون لـ”أغراض حزبية خاصة”، ويهدد المنتمين إلى الهيئة بـ”الطرد وإجبارهم وعوائلهم على التصويت قسراً لمرشح محدد”. 

وفي خطاب سياسي، رد الحشد الشعبي على الحلبوسي في بيان صدر في تموز 2024، بأن “المدان بالتزوير غير مؤهل لوعظ الآخرين”، في إشارة إلى تهمة رئيس البرلمان السابق بالتزوير، وهي التهمة التي أبعدته عن المنصب. 

وفي نيسان الماضي 2024، طالب النائب عن العصائب، ثامر ذيبان، بإيضاح من وزارة المالية عن استمرار صرف رواتب ومخصصات الفياض الذي تجاوز عمره السن القانونية. 

وفي آذار 2024، دعا النائب عن العصائب، علي تركي، إلى “طرد الفياض”، وقال: “إن موارد الحشد أصبحت إرثاً له”، بحسب تغريدة على “إكس”. 

ويُعتقد أن الخلاف بين العصائب والفياض كان بسبب تفرد الأخير بإبرام اتفاقية تشكيل الحكومة المحلية في صلاح الدين بمعزل عن الإطار التنسيقي. 

هدد قيادي في العصائب، وهو النائب عن صلاح الدين محمد البلداوي، في 2024، من خلال خطاب غاضب ضد تشكيل حكومة صلاح الدين، بـ”كشف الأوراق”، التي قال إنها سوف “تسوّد الوجوه”. 

وكان تحالفٌ قد نشأ في صلاح الدين بين كتلة الجماهير الوطنية بزعامة أبي مازن أحمد الجبوري، وكتلة عطاء بزعامة الفياض. 

كما أحدث الفياض أزمة خلال لقائه في الأنبار، في آذار 2024، الزعيم العشائري علي حاتم السليمان، المعروف بأنه من المؤيدين لإنشاء “الإقليم السني”. 

وبعد هذا اللقاء بعام واحد، دعا الفياض الشيعة إلى تأسيس “دولة شيعية”. 

حاصرت الفياض موجة من البيانات الغاضبة إثر لقائه السليمان، وطالبت المواقف الصادرة عن قوى الحشد ذاتها بـ”طرده” من منصبه، وأشارت إلى معلومات عن استغلال موارد الهيئة لمشروعه السياسي. 

وفي ذلك الشهر، اقترح الخزعلي خلال حديث إعلامي مناصب أخرى على الفياض، منها منصب نائب رئيس الجمهورية بدلاً من منصبه الحالي. 

مبعوث الحكام 

بحسب الحسيني، فإن الفياض كان مبعوث الجعفري الأخير إلى إيران في 2004. 

والفياض كان من بدأ صفحة جديدة مع السوريين في 2011، بعد أن حمّل المالكي دمشق المسؤولية عن تفجيرات وقعت في بغداد عام 2009. 

التقى الفياض الأسد في 2011، وطرح عليه مبادرة عراقية قدمها المالكي تهدف إلى فتح حوار بين المعارضة والحكومة السورية، (سيعود المالكي بعد ذلك بسنوات ليكشف عن أنه كان ينوي استخدام الجيش العراقي لمنع سقوط الأسد). 

رئيس الحشد كان يبدو أقل ميلاً لإيران حتى عام 2021، وهي السنة التي فُرضت فيها عقوبات أمريكية ضده. 

بيان وزارة الخزانة الأمريكية في ذلك الوقت قال إن الفياض كان عضواً في “خلية الأزمة” التي تشكلت في أواخر عام 2019 من قيادات في الحشد الشعبي، من أجل قمع المحتجين العراقيين، بدعم من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني. 

زار الفياض أمريكا أربع مرات قبل صدور العقوبات ضده؛ في 2011 و2013 مع المالكي، وفي 2015 مع العبادي، وفي 2019 بمفرده. 

وعن زيارة الفياض الأخيرة، قالت تقارير إنه طمأن واشنطن بعدم التعرض إلى البعثات الدبلوماسية في العراق، وتحدث عن “هيكلية الحشد” الجديدة. 

كان الفياض يرفض اتهامات أبي مهدي المهندس لإسرائيل بضرب مقرات الحشد الشعبي في 2019، ولم يظهر في الصفوف الأولى لقيادات الفصائل خلال مهاجمة السفارة الأمريكية في بغداد نهاية 2019. 

تقول تحليلات غربية إن زيارة الفياض إلى الولايات المتحدة في 2019، كانت محاولة لإبعاده عن “علاقاته الوثيقة مع الميليشيات المدعومة من إيران”، لكنه ارتد بعد ذلك. 

في 2021، بعد العقوبات ضده، صرح الفياض تصريحاً غريباً، حيث قال إنه يسعى لتحويل الحشد إلى نسخة من الحرس الثوري. 

واتهمت العصائب الفياض بأنه زار إيران مؤخراً لمنع إبعاده عن منصب رئيس الحشد. 

وكان الفياض قد التقى في طهران، في شباط الماضي، أكبر أحمديان، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني وممثل المرشد علي خامنئي، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وهما اللقاءان الوحيدان اللذان تمت تغطيتهما إعلامياً، فيما تسربت أنباء عن لقاءات لم تعلن مع الحرس الثوري. 

عزز الفياض بعد العقوبات الأمريكية علاقاته بالأسد قبل هروب الأخير من سورية في الثامن من كانون الأول 2024، كما أشرف على تشكيل غرفة تبادل معلومات رباعية في 2015، بين العراق وسورية وإيران وروسيا. 

وبعد الجعفري والمالكي، أرسل العبادي الفياض إلى سورية، وأرسله الكاظمي أيضاً إليها نهاية آب 2020. 

وفي وقت كان فيه النظام السوري السابق يُحضّر لـ”الانتخابات الرئاسية” التي أجراها في أيار 2021، والتي أعلن الأسد فوزه بها رغم تأكيد المجتمع الدولي والمعارضة السورية على أنها غير شرعية، نقل الفياض شخصياً رسالة من الكاظمي إلى الأسد في السادس من الشهر المذكور. 

أحدثت زيارة رئيس الحشد ضجة خلافاً لسابقاتها، وذلك عقب لقائه الأسد في قلب دمشق وتسليمه رسالة من الكاظمي بتاريخ 16 آب 2021. 

وذكرت وكالة إعلام النظام السابق “سانا”، أن اللقاء تمحور حول مؤتمر دول جوار العراق، وأهمية التنسيق السوري-العراقي حول هذا المؤتمر، والمواضيع المطروحة على جدول أعماله. 

وسرعان ما فسرت وسائل إعلام حديث النظام السوري حول مؤتمر جوار العراق على أنه دعوة للأسد للحضور، وهذا ما أحرج الخارجية العراقية، ودعاها إلى الرد بأن ما يشاع بشأن الدعوة “غير معنية به”. 

وشددت الخارجية العراقية على أن الدعوات الرسمية لمؤتمر جوار العراق ترسل برسالة رسمية وباسم رئيس الوزراء، وأنه لا يحق لأي طرف آخر أن يقدم الدعوة باسم الحكومة العراقية. 

وكانت آخر زيارة للفياض إلى الأسد في أيار 2024، وتسربت معلومات حينها بأن رئيس الحشد طلب من رئيس سورية المخلوع “التفاهم مع المعارضة ومع أنقرة”، وهو ما لم يحدث.