صوتٌ بلا إرادة: كيف تتحكم العائلة والعشيرة بخيارات النساء الانتخابية؟ 

هند الديوان / 8 تشرين الثاني 2025

تذهب نساءٌ إلى صناديق الاقتراع وهنّ يحملن أصواتاً لا تخصّهن تماماً.. يروين كيف يصبح الانتخاب طقساً من طقوس الطاعة.. تجربة الكاتبة ونساء أخريات في غرفة اختبار الديمقراطية العراقية.


ذهبتُ عام 2014 إلى قاعة الاقتراع وأنا أحمل مسبقاً رقم القائمة التي كان “يجب” انتخابها. كان كل شيء مرسوماً سلفاً، من لافتات وشعارات وحتى الدعاء الذي يُتلى على المنابر وفي المساجد لترسيخ الإيمان السياسي داخل الإيمان الديني. 

كان على النساء أن يثبتن طاعتهن بالصوت، كما يُثبتنها في البيت أو في أداء الطقوس. 

في نظرهم، أن أختار غير تلك القائمة يعني أنني خرجتُ عن المذهب، وعن الجماعة، وعن السطر الذي رُسم لي. 

في ذلك اليوم، قررت أن أختار غير ما خُطّ لي منذ البداية. 

كانت ورقة الاقتراع صغيرة، لكن ارتجاف أصابعي جعلها أثقل من بيان عصيان. حين وضعت العلامة على الاسم المختلف، شعرت للمرة الأولى أنني أمارس حقاً متواضعاً كان محجوباً خلف جدران الطاعة. 

لم يكن الاختيار سياسياً بقدر ما كان خلاصاً شخصياً. كنت أقول بصمت: “لا، لن أكون ظلاً بعد الآن”. 

ولم تكن تلك الحكاية استثناء، فكثيرات وجدن أنفسهن في المشهد ذاته، تختلف الأصوات بين ما يُملى عليهن وما يرغبن به فعلاً. 

“ل.أ” مثلاً كانت تعرف أن “فلاناً” فاسد، لكن زوجها قال لها صوّتي له، لأن جماعته وعدوه بتعيين. 

عرفت أن الصوت لا يليق به، لكن صفقة العائلة غلبت قناعة الفرد. تحوّل التصويت إلى طاعة منزلية، وتحول التعيين الموعود، ذلك الحلم المؤجل، إلى ثمن للتصويت. 

“ح.ح”، التي أرادت أن تصوّت لامرأة مستقلة تعرفها من عملها في منظمات المجتمع المدني، وجدت أباها يقول: “ما يصير نترك جماعتنا ونصوّت لناس ما نعرفهم”. 

لم يكن الرفض سياسياً، بل اجتماعياً، فصوتها محاصر داخل جدران العائلة. 

وتتكرر قصص أخرى بملامح متقاربة. “أ.ع” تقول إن عائلتها كانت تقاطع الانتخابات منذ سنوات، لكن عندما ترشّح أحد الأقارب تغيّر الموقف فجأة. 

صار يذكّرهم كل يوم بأن “صوت العائلة واجب”، وأن الامتناع خيانة للدم. 

لم يجرؤ أحد على الرفض علناً، ووعدوه بأنهم سينتخبونه، لكنهم نكثوا الوعد. 

بعد ساعات من انتهاء الاقتراع، اكتشف المرشح الحقيقة من خلال نتائج المراكز الانتخابية، فاشتعل غضبه مثلما توقعوا. 

في تلك اللحظة، لم تكن المقاطعة موقفاً سياسياً، بل شجاعة صامتة في وجه سلطة القرابة. 

تهديد بالطلاق 

كانت “ر.ه” أصغر من أن تفهم معنى السياسة حين أُجبرت على حمل بطاقة الناخب. تقول لجُمَّار: “أرغموني بعمر 18 سنة على الحصول على هوية ناخب، كنت مريضة، لكنهم أصروا”.  

كان الأمر يشبه طقساً من طقوس الانتماء لا يمكن التهرب منه، فالدولة لا تسأل إن كانت الناخبة مستعدة، والعائلة لا تقبل الاعتذار. 

بعد سنة، حين جاءت الانتخابات، دخل أخوها إلى الغرفة وقال بلهجة لا تحتمل النقاش: “عليكِ الآن ارتداء ملابسكِ والذهاب للإدلاء بصوتكِ”. 

رفضت، صرخت، لكنها كانت صرخة في بيت لا يسمع النساء. 

أشاروا إلى المرشح الذي كان ضمن قائمة ما، وقاموا بكل شيء بالنيابة عنها. 

أما هي فجلست تراقب مشهداً تعرف أنه لا يمثلها، “وفي النهاية”، تقول ضاحكة بمرارة: “خيّروني بين أن أغمس إصبعي بالحبر أو أمتنع، فضحكت وقلت: وهل بقي الأمر متوقفاً على الحبر؟!”. 

في ضحكتها تلك شيء من الانكسار وشيء من الوعي، كثيرات يضحكن لتخفيف وطأة الإكراه، لكن ما يبقى بعد الضحك هو الإحساس العميق بالعجز. 

“ر.ه” لم تنتخب أحداً فعلاً، بل تم الانتخاب عنها، مثل آلاف النساء اللواتي يتحركن بين صناديق لا تشهد على حضورهن إلا بالبصمة، البصمة التي تُستخدم لإثبات المشاركة، لا القناعة. 

تروي “ر.ه” بابتسامة ساخرة أن صديقات لها طلبن منها منح صوتها لمرشحين محددين، فأخبرت كل واحدة منهن أنها مستعدة لانتخاب مرشحها مقابل 100 دولار. 

لم يكن ثمناً حقيقياً، بل نكتة تكشف كيف صار الصوت سلعة في موسم الانتخابات، وكيف أن المرأة تتحول إلى وسيلة لتجميع الأصوات، لكل جهة حصة من اقتناعها، ولكل صديقة مطلب صغير، فيتحول الاقتراع إلى شبكة من المجاملات والضغوط والرهانات الصغيرة، حتى يغيب السؤال الأساسي: لمن تصوتين ولماذا؟ 

أما “ز.ن”، فقد قررت منذ زمن ألّا تشارك، إذ قاطعت العملية الانتخابية منذ 2010: “بعدما رأينا كيف التفوا على الديمقراطية وشوهوها باسم القانون”. 

لم يكن قرارها انفعالاً، بل موقفاً فكرياً ضد نظام رأت أنه فقد معناه، لكنها لا تعدّ المقاطعة خياراً متاحاً للجميع. 

تقول لجُمَّار: “الضغط على النساء لا ينقطع، مرة باسم الدين، ومرة باسم القانون، ومرة باسم العشيرة، حتى الرجل الشرقي يصير قانوناً بحد ذاته”. ثم تروي قصة صديقة لها أجبرها زوجها على التصويت لقائمة معينة، مهدداً إياها بالطلاق إن رفضت. 

امتحان معقد 

تقدّم هذه النساء صورة كاملة عن التناقض العراقي. الأولى أُجبرت على المشاركة، والثانية اختارت المقاطعة عن وعي واحتجاج. 

الأولى وُجّهت نحو الصندوق باسم الطاعة العائلية، والثانية ابتعدت عنه رفضاً لزيف الديمقراطية. 

لكن النتيجة، في الحالتين، تكشف وجهاً واحداً للمشهد: امرأة تحاول أن تمتلك قرارها وسط منظومة تحاصر الاختيار من كل الجهات. 

“ز.ن”، وهي أصغرهن سناً، تمثل الجيل الجديد الذي يعرف كل هذه القيود، لكنه يراها بعين أكثر سخرية ووضوحاً. 

تقول لنا: “هناك نائب في منطقتنا يحاول جمع البطاقات الانتخابية وأسماء النساء، بحجة أننا جيران وأهل، لكن أبي لا يعطيه شيئاً”. 

في روايتها تختصر ظاهرة الاستحواذ على بطاقات النساء باعتبارهن الحلقة الأضعف في منظومة التصويت، حيث تُجمَع الهويات كما تُجمع التواقيع في بازار الولاءات. بعض الآباء يرفض، لكن قصتَي “ل.أ” و”ر.ه” تنطويان على وشاية واضحة بأن كثيرين يرضخون خوفاً من نفوذ المرشح، أو إرضاءً لعلاقات عشائرية أعمق من العلاقة بالدولة نفسها. 

حين تُروى هذه القصص متجاورة، يبدو المشهد كأن النساء يقفن على حافة صندوق واحد، لكن بدرجات مختلفة من الإكراه. 

بعضهن يُسقن إليه باسم العائلة، وأخريات باسم المذهب، وبعضهن ينسحبن خوفاً من المشاركة في مسرح لا يبدّل شيئاً. 

في جميع الحالات، يتضح أن الطريق إلى مركز الاقتراع ليس طريقاً إلى ممارسة ضامنة للحرية، بل إلى امتحان اجتماعي معقد تُختبر فيه درجة الطاعة والانتماء. 

وعلى الرغم من أن القانون يفتح للنساء باب المشاركة، فإن الواقع يغلقه بألف قفل. فالكوتا، التي خُصصت لضمان مقاعد للنساء، لم تمنع السيطرة على خياراتهن. 

المشاركة الشكلية أصبحت تُستخدم كدليل “تحضّر”، بينما المشاركة الفعلية تقاس بمدى قدرة المرأة على تجاوز حدود الطاعة. 

وبين المبدأ الدستوري والواقع العائلي تضيع أصوات كثيرة لا تُحسب في النتائج، لكنها تظل شاهدة على معنى الديمقراطية حين تُختزل في طاعة اجتماعية. 

توازن ظاهري 

في التقارير الرسمية، تُقدَّم مشاركة النساء في الانتخابات كأحد إنجازات النظام الديمقراطي الجديد في العراق. لغة البيانات دائماً متفائلة، دقيقة بالأرقام، لكنها باردة بالمقارنة مع حرارة التجربة الميدانية. 

مفوضية الانتخابات تصف المشاركة السياسية بأنها “سلوك يهدف إلى التأثير في عملية صنع القرار، كأحد مظاهر الديمقراطية في المجتمعات التي يُعاد فيها توزيع قوى السلطة”. جملة أنيقة، لكنها في نظر النساء اللواتي تحدثن أقرب إلى أمنية بعيدة المنال. 

فالمشاركة السياسية، كما تقول المفوضية في دراسة لها بعنوان “أهمية المشاركة السياسية للمرأة”، تمرّ بمراحل عدة: الاهتمام بالشأن العام، ثم الانخراط في العمل الحزبي، ثم الممارسة الفعلية للنشاط السياسي، ثم تحمّل المسؤولية العامة. 

لكن كيف يمكن أن تمر المرأة بهذه المراحل في بيئة تحدد خياراتها مسبقاً داخل البيت؟ “ر.ه” التي أُجبرت على الانتخاب لم “تهتم” بالشأن العام، بل فُرض عليها كواجب عائلي، و”ز.ن” التي قاطعت الانتخابات لم تُتَح لها فرصة الانخراط الحزبي أو المدني، لأنها لم تثق بالنظام أصلاً. 

تقول المفوضية: “إن مشاركة المرأة في السياسة تخرجها من الحياة الخاصة إلى الحياة العامة”، لكن في الواقع العراقي كثير من النساء ما زلن يُدفعن إلى الحياة العامة من بوابة العائلة، لا بإرادتهن. 

فحين يصوّت الأب أو الزوج أو الأخ نيابة عنها، تبقى المرأة “خاصة” حتى وهي تُشارك في الشأن “العام”. 

وتشير دراسة المفوضية إلى أن مشاركة النساء معيار لقدرة المجتمع على دمجهن في قضايا الشأن العام، لكن ذلك الاندماج يبدو ناقصاً حين نقرأ قائمة المعوّقات الطويلة التي وثّقتها الدراسة ذاتها: معوقات قانونية تُبقي المرأة تابعة للرجل، ومعوقات اجتماعية تضعها في خانة “الراعية” لا “الفاعلة”، ومعوقات ثقافية تُعيد إنتاج القيم الذكورية التي تُضعف مكانتها، ومعوقات اقتصادية تجعلها عاجزة عن تمويل حملاتها أو الاستقلال بقرارها. 

تقول الدراسة: “إن سيطرة النظام الاجتماعي الذكوري والعشائري تكرّس سلطة الرجل وتعيد إنتاج القيم التي تحد من مشاركة النساء”. هذه الجملة النظرية تختصر ما روته “ل.أ” و”ح.ح” و”ر.ه”، فالعائلة هي الحزب الأول، والعشيرة هي المؤسسة السياسية الأعمق تأثيراً، والنظام الاجتماعي -مهما تغيّر شكله الخارجي- ما زال يتحكم بالقرار من الداخل. 

في انتخابات 2021، بلغت أعداد النساء الناخبات أكثر من عشرة ملايين، مقابل 11 مليون ناخب من الرجال. يبدو الرقم متوازناً ظاهرياً، لكن خلفه تتوارى أسئلة كثيرة: كم من هؤلاء النساء صوّتن بإرادتهن؟ كم منهن أُجبرن على المشاركة أو تغييب الصوت؟ وكم من أصواتهن ضاعت داخل بطاقات جمعها المرشحون باسم “الجيرة” و”الأهل”؟ 

تُظهر الأرقام أن بغداد سجلت أعلى نسبة مشاركة نسائية بواقع 2,410,613 ناخبة، فيما كانت المثنى الأدنى بـ234,602 فقط. 

الفارق الرقمي يبدو محض إحصاء، لكنه في الحقيقة انعكاس للفارق الاجتماعي، فكلما كانت البنية التقليدية أقوى قلَّت حرية النساء في المشاركة. المدن الكبرى تمنح فرصة أكبر للمشاركة الشكلية، بينما الأرياف والمناطق العشائرية تُحكم بأطر الطاعة القديمة. 

وتذكر المفوضية أن 95 امرأة فزن في انتخابات 2021 بمقاعد برلمانية من أصل 946 مرشحة، أي بنسبة تقارب 28.8 بالمئة من مجموع مقاعد البرلمان، لكن هذه النسبة، التي تُعرض عادة كدليل نجاح، تخفي خلفها واقعاً أكثر تعقيداً، فالكثير من الفائزات لم يخرجن من صناديق حرة تماماً، بل من قوائم حزبية أو تحالفات تستثمر الكوتا النسائية كضمانة رقمية لا ككفاءة تمثيلية. الكوتا هنا أشبه بسقف زجاجي يتيح الصعود إلى حد معين، لكنه يمنع تجاوزه. 

النظام نفسه يعترف بأن هذه المشاركة تواجه معوقات في خمسة مستويات، قانونية واجتماعية وسياسية واقتصادية وذاتية، كما يرد في دراسة المفوضية. 

القوانين ما زالت غير منصفة تماماً، والعادات الاجتماعية ما زالت تُعرّف المرأة بوصفها تابعة. أما في الميدان السياسي، فالأحزاب الذكورية تبقيها في المراتب الخلفية، وفقاً لدراسة مفوضية الانتخابات ذاتها. 

في المستوى الاقتصادي، ضعف الدخل يمنعها من خوض الحملات الانتخابية باستقلال، وفي المستوى الذاتي، ما زالت الثقة بالنفس تُكسر منذ الطفولة. 

لكن المفارقة الأوضح تظهر حين نقرأ بند نظام الكوتا النسائية في الدستور العراقي، الذي ينص على ألا يقل تمثيل النساء عن الربع من عدد أعضاء البرلمان. 

هذا البند الدستوري يبدو منصفاً على الورق، لكن أثره في الواقع يتوقف عند الأرقام. لا توجد آليات لحماية حرية الاختيار نفسها، ولا لضمان أن يكون الصوت النسوي نابعاً من القناعة لا الإملاء. 

بهذا المعنى، تصبح الانتخابات مرآة مزدوجة، تعكس ما تحقق من تقدم قانوني، وتفضح في الوقت نفسه ما بقي من قيود اجتماعية. 

طريق طويل 

الكوتا، على الرغم من رمزيتها، لم تكسر بنية الهيمنة، بل جعلتها أكثر نعومة، فالمرأة التي تُفرض عليها خياراتها داخل البيت، تُفرض عليها التحالفات نفسها في الحزب، وإن وصلت إلى البرلمان، وكما هو واضح من الأداء البرلماني النسوي بشكل عام، تُقاس فعاليتها بمدى التزامها بخط الزعيم أو الكتلة، لا بقدرتها على تمثيل النساء اللواتي جاءت أصواتهن محمولة بالإكراه والخوف. ولعل أوضح مثال على ذلك أن نائبات كثيرات أيّدن وصوّتن لصالح تعديل قانون الأحوال الشخصية الذي أثير جدل كبير حول سلبه الكثير من حقوق المرأة.  

وعلى الرغم من أن المفوضية تؤكد في دراستها أن نظام الكوتا النسائية أسهم في تحقيق “تقدم واضح نحو المساواة بين الجنسين”، إلا أن هذا التقدم لم يخرج بعد على ما يبدو من كونه مشاركة صورية إلى فضاء الفعل، فالكوتا، في معناها الرسمي، تعد آلية لضمان الحضور، لكنها في معناها الاجتماعي لم تنجح بعد في حماية الاختيار. 

النساء حاضرات في القوائم، وفي الإعلانات، وفي المؤتمرات، لكن الغياب الحقيقي يكمن في الإرادة نفسها: من تختار؟ ولماذا؟ ومن الذي يقرر عنها؟ 

حين نقرأ الأرقام، تبدو الصورة متماسكة، ففي انتخابات 2021 مثلاً، بلغت نسبة تمثيل النساء في البرلمان قرابة 28.8 بالمئة، وهي أعلى من النسبة الدستورية المحددة بـ25 بالمئة. 

نظرياً، يبدو ذلك انتصاراً للمرأة العراقية، لكن حين نستعيد أصوات “ل.أ” و”ح.ح” و”ر.ه”، نكتشف أن هذا “التمثيل” لا يعبّر تماماً عنهن، بل عن البنية السياسية التي اختارت عنهن، فالكوتا لم تفتح الباب للنساء بقدر ما أعادت توزيع الأدوار داخل النظام نفسه، لتبقى المرأة جزءاً من معادلة محسوبة مسبقاً. 

دراسة المفوضية ذاتها تعترف بذلك حين تشير إلى أن تطوير نظام الكوتا يحتاج إلى “تعزيز المشاركة الفعلية لا الشكلية”، وتدعو إلى إشراك النساء في إعداد القوائم، وضمان مواقع متقدمة لهن، وعدم الاكتفاء بنسبة المقاعد، لكن حتى هذه التوصيات تصطدم بجدار الثقافة السائدة، فالمرأة في العراق ما زالت تواجه صورة ذهنية تضعها في إطار “المُلحَق” السياسي، لا “الفاعل”. 

في الجانب القانوني، توصي الدراسة بـ”تعديل القوانين بما يضمن تعزيز تمثيل النساء في البرلمان والمجالس المحلية”، لكن هذه التوصية تفترض أن المشكلة قانونية فقط، بينما الحكايات التي روتها النساء تُظهر أن القانون وحده لا يكفي. فكيف يحمي النص من تُسلب إرادتها داخل البيت؟ وكيف يضمن القانون حرية الاختيار في مجتمع يرى في قرار المرأة “تمرّداً” أكثر منه حقاً؟ 

وتقترح المفوضية إطلاق برامج تدريب وتمكين سياسي للنساء، وتضمين مبدأ المساواة الجندرية في التشريعات، ودمج تمكين المرأة في خطط التنمية المستدامة، لكن هذه البنود تبدو كأنها تخص نساءً في مكان آخر، لا النساء اللواتي يقفن في طوابير الاقتراع تحت أنظار الأب أو الزوج أو العشيرة. أولئك اللواتي يضحكن مثل “ر.ه” كي يخفين الإكراه، أو يصمتن مثل “ز.ن” كي لا يُعاد عليهن الدرس ذاته. 

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذه النصوص -على الرغم من فجوتها عن الواقع- تشكّل اعترافاً مؤسسياً بأهمية المساواة. فوجودها بحد ذاته تطور في خطاب الدولة، حتى لو لم يتحول بعد إلى ممارسة يومية. 

الاعتراف بداية الطريق، لكن الطريق ما زال طويلاً ومليئاً بالعُقد، عقدة الخوف، وعقدة الطاعة، وعقدة “العيب” التي تطارد النساء من الطفولة إلى الصندوق. 

مشاركة المرأة في العراق اليوم تقف بين نقيضين، بين نصوص دستورية تقدّمها كشريك كامل في القرار، وواقع اجتماعي يعيدها إلى صفوف المتفرجين. 

لا يمكن اختزال هذا التناقض في كلمة “تخلّف”، لأنه أعمق من ذلك، إنه تَنازُع بين زمن يحاول أن يكتب مساواة قانونية، وزمن آخر يعيش في ذاكرة السلطة الأبوية. 

تقول المفوضية في توصياتها الختامية: “يجب اعتبار قضايا المرأة قضايا وطنية لا اجتماعية فقط”. وربما هنا تكمن الحقيقة الكبرى، فحين تُعامل مشاركة النساء كقضية تخصّهن وحدهن، تبقى محصورة في الهامش، أما حين تُفهم على أنها مرآة للديمقراطية نفسها، يصبح سؤال “من تنتخب المرأة ولماذا؟” سؤالاً عن معنى المواطنة بأكملها. 

في النهاية، كل ورقة اقتراع تحمل أكثر من خيار سياسي، تحمل تاريخاً من الخضوع أو الرفض أو التفاوض الصامت. بعض النساء يكتبن أسماءهن في الصندوق ليُثبتن أنهن نفّذن ما طُلب منهن، وبعضهن -كما أسمع من صديقات وقريبات لي- يتركن الورقة بيضاء لأنهن يعرفن أن المعركة ليست هناك، بل في البيت، وفي اللغة، وفي النظرة، وفي فكرة أن الصوت -أي صوت- يجب أن يكون نابعاً من الذات لا مفروضاً عليها. 

ربما لهذا السبب، حين خرجتُ عام 2014 عن السطر المرسوم، لم أشعر أنني انتخبت مرشحاً، بل أنني انتخبت نفسي. تلك كانت المرة الأولى التي شعرت فيها أن الخلاص السياسي يبدأ من حركة إصبعٍ واحدة، ومن حبرٍ لا يريد أن يجفّ، ومن امرأة قررت أن تُعيد تعريف معنى الاختيار، حتى لو كانت وحدها أمام الصندوق.