“انتخبني واشدلك راتب رعاية”.. عن الوعود والجسد العراقي المهمّش 

مهند فارس / 9 تشرين الثاني 2025

في كل انتخابات في العراق، محلية كانت أو برلمانية، يُستدعى ذوو الاحتياجات الخاصة إلى المشهد كشعار إنساني مؤقت، لا كشركاء في القرار، فحضورهم يتحول إلى أداة دعائية في الحملات، مقابل وعود ومساعدات غير حقيقية، بينما واقعهم الحقيقي هو الإهمال المؤسسي والحرمان من التمثيل السياسي الحقيقي.


ذوو الاحتياجات الخاصة، من بين الفئات التي يستهدفها المرشحون للانتخابات البرلمانية القادمة في 11 تشرين الثاني 2025، فينظرون إليها على أنها مجموعة تسهل استمالتها أو التلاعب بها تحت غطاء إنساني يخفي استغلالاً سياسياً فجاً، فمن جذبهم بالوعود إلى منحهم الهدايا أو المساعدات الرمزية، التي سرعان ما تنقطع لاحقاً بعد فوز المرشح. 

أرقام صادمة وواقع هش  

تقدر الأمم المتحدة أعداد ذوي الاحتياجات الخاصة بنحو 12 بالمئة من سكان العراق، أي أكثر من أربعة ملايين شخص، يواجهون تحديات كبيرة تُبرز الإهمال الذي يطالهم. 

في العراق لا توجد سوى جهة واحدة تُعنى بذوي الاحتياجات الخاصة، وهي “هيئة رعاية ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة”، التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية. 

في دول كثيرة توجد عدة هيئات وجهات مسؤولة عن رعايتهم، إضافة إلى هيئات داخل وزارات الصحة والنقل والتعليم والبلديات المحلية، مثل المملكة العربية السعودية، التي تمتلك أقساماً خاصة بشؤون ذوي الهمم في الوزارات. 

في حين تقتصر خدمات “هيئة رعاية ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة” على تحديد نسب العجز، من أجل صرف رواتب شهرية لهم. حيث يتسلم 586 ألفاً، من أصل نحو أربعة ملايين شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة، رواتب الرعاية الاجتماعية المؤطرة تحت عنوان “المعين والمعين المتفرغ”. 

وحتى الحصول على هذا الراتب صعب، تقول أم مهدي من محافظة صلاح الدين، إنها حاولت الحصول على راتب لابنها من ذوي الاحتياجات الخاصة، البالغ من العمر 20 عاماً، ولكن لم تنجح في تحقيق ذلك.  

“قدمت أكثر من 10 مرات، وكل مرة يكولولي راح يزوركم باحث للبيت، وبالفعل يجيني الباحث لكن ماكو راتب”. وتضيف لجمّار، أنها علمت من أحد المراجعين، أثناء إحدى زياراتها لدائرة رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، بوجوب دفع مبلغ مالي (رشوة)، يتراوح ما بين 400 إلى 800 ألف دينار، لأحد الموظفين أو الباحث نفسه من أجل الحصول على راتب المعين. 

التهميش السياسي.. غياب الصوت والتمثيل 

آمنة جواد (28 عاماً) كفيفة من محافظة ميسان، تقول: “من يدخل علينا مرشح، أول شي يحجي عن حقوق ذوي الإعاقة وينطينا وعود، وبس يفوز يختفي”. وتضيف: “إحنا مو دعاية، إحنا بشر”. 

من بين الظواهر الشائعة، توزيع بعض المرشحين كراسي متحركة على ذوي الاحتياجات الخاصة، تحت عنوان “مبادرة إنسانية”. 

حسين (40 عاماً) من بغداد، أحد المستفيدين من هذه الكراسي قال: “استلمت الكرسي فعلاً، بس قالولي لازم نصوت للمرشح كلنا حتى العائلة، وإذا فاز راح يساعدني أحصّل بطاقة رعاية اجتماعية”. 

وسبق أن قدم حسين عدّة مرات على راتب الرعاية، لكن بلا جدوى وبلا توضيح للأسباب، ويضيف: “أعرف حتى لو فاز بعد لا نشوفه ولا نسمع منه، لأن هاي مو أول مرة تصير”. 

بعض الكتل السياسية وزعت من خلال علاقاتها في دائرة الرعاية بطاقات الإعانة لأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، ووعدت بتحويلها إلى رواتب بعد الانتخابات، وهو ما لم يحصل. 

سليم، الشاب العشريني من محافظة صلاح الدين، مصاب بإعاقة ذهنية منذ ولادته، ولا يلتفت إلى الكثير من تعقيدات الحياة، لكنه يحفظ وجوه أهله وجيرانه، ويبتسم لكل من يبادله التحية، تمشي معه والدته كل صباح إلى دكان قريب لشراء ما يسليه من الحلويات ثم تعيده إلى البيت. 

ذات مساء، زار عائلته أحد أعضاء فريق الحملة الانتخابية لأحد المرشحين، يحمل بيده كيساً صغيراً فيه مواد غذائية و50 ألف دينار، وقال لوالده: “أستاذ هاي هدية من المرشح الفلاني ونريد ناخذ بركتكم وصوتكم، وحتى هذا”، مشيراً إلى سليم الواقف إلى جانب والده. 

والد سليم شرح وضع سليم لعضو فريق المرشح، لكنه رد عليه: “يصير تسجل له بطاقة ناخب، كلها إجراءات روتينية، ما راح يتعب”. عضو الفريق الانتخابي وعد والده بإغراءات وامتيازات أخرى ستمنح لابنه راتب رعاية، وملابس شتوية وصيفية، ووظيفة للأب. 

رغم أن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وضعت إجراءات لتنظيم الانتخابات وتسجيل الناخبين، ولكنها تفتقر إلى آليات رصد التجاوزات المتعلقة بذوي الاحتياجات الخاصة. 

المحفزات والمشاركة 

من حيث المبدأ، أي دعم يقدم لفئة مهمشة، مثل ذوي الاحتياجات الخاصة، قد يشجع على اندماجها السياسي، لكن في الواقع العراقي، فإن المحفزات الانتخابية لا تشجع على المشاركة الواعية، بل تستخدم غالباً كأدوات لاستدراج الصوت الانتخابي فقط.  

تقول هدى العبيدي، الناشطة المدنية من بغداد: “شاهدت في الانتخابات الأخيرة عشرات الأشخاص من ذوي الإعاقة يُنقلون بالباصات من قبل حملات انتخابية، فقط ليصوتوا لمرشح معين”.  

وتضيف لجمّار: “هذه المشاركة ليست مشاركة سياسية بالمعنى الحقيقي، بل تعبئة انتخابية مدفوعة بثمن الحاجة والحرمان، فالبعض أعطيت لهم أموال، وآخرون وُعدوا بتعيينات، ولكن النتيجة أن أغلبهم لم يعرف حتى ما هو برنامج المرشح أو ماذا يمثل”. 

ما إن تُقفل صناديق الاقتراع، حتى تقفل معها هواتف المرشحين الفائزين، لا يطرح أي تشريع نيابي حقيقي لتحسين حياتهم، ولا تنفذ البرامج الموعودة، وحتى التواصل الإنساني معهم يتلاشى. 

يقول عبد الله لجمّار، وهو شاب من ذوي الاحتياجات الخاصة، فاقد لبصره: “إن أحد المرشحين وعدني بدعمي مادياً بعد فوزه، إنطاني عكازة بيضة (عصا المكفوفين) حتى نصوتله أني وعائلتي”. 

العلاقة بين كثير من المرشحين وذوي الاحتياجات الخاصة تشبه العلاقة المؤقتة بين تاجر وزبون، ما إن يتحقق الهدف حتى ينتهي الاهتمام، والهدف هنا هو الصوت الانتخابي. 

المعرفة والتهميش القسري 

من حق أي مواطن أن يُشارك في صنع القرار، وأن يدلي بصوته من موقع الندية لا الشفقة، لكن بالنسبة لذوي الاحتياجات في العراق، يُختزل ذلك في يوم التصويت فقط ثم ينتهي دوره. 

وهنا يبرز سؤال: إلى أي مدى يدرك ذوو الاحتياجات الخاصة في العراق حقوقهم السياسية؟ وهل يشعرون بمواطنتهم، أم يشعرون أنهم أدوات دعائية تُستَثمر في الانتخابات ثم تنسى؟ 

في هذا السياق، يقول زيد، الشاب الثلاثيني من محافظة بابل، والمصاب بإعاقة حركية: “أني فاهم وضعي، وأعرف من لازم أصوت له، بس أحس أنو صوتي ما يغير شي، كل مرة أصدق وكل مرة أنصدم، أحس إنهم يتذكرونا قبل الانتخابات وبس”. 

قبل أسابيع قليلة، تداولت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي مقطعاً مصوَّراً يظهر قيام عدد من ذوي الإعاقة، في محافظة النجف، بطرد إحدى المرشحات من تجمع لهم، واتهموها بمحاولة استغلال التظاهرة لأغراض انتخابية. 

وبحسب شهود عيان، فإن المرشحة كانت قد حضرت اللقاء بهدف الترويج لحملتها، دون أن يكون لديها برنامج واضح يخدم قضايا ذوي الاحتياجات الخاصة، وقال أحد المشاركين في التجمع: “هي ما إجت تسمع لنا، إجت بس حتى تحجي عن روحها وتصور”. 

القانون في مواجهة الواقع 

دعاء سامي، طالبة جامعية من بغداد، مصابة بإعاقة سمعية، تقول لجمار: “أني أعرف شنو حقوقي، بس المشكلة أنو حتى لو افهمنا حقوقنا الدولة ما تنفذ، إحنا فاهمين، بس ما عدنا أدوات ضغط”. 

ينص الدستور العراقي لعام 2005 في المادة 14، على أن العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز، إضافة إلى المادة 20، التي تنص على أن للمواطنين رجالاً ونساءً حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتع بالحقوق السياسية، بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح. 

كذلك المادة الأولى، خامساً، من قانون رعاية ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة، رقم 38 لعام 2013، توثق حقوق هذه الفئة: “وضع التدابير والبرامج والخطط والسياسات التي تهدف إلى تحقيق المشاركة الكاملة لذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة في شتى مجالات الحياة داخل المجتمع، دون أي شكل من أشكال التمييز”. 

يقول جاسم الربيعي، المحامي المختص في قضايا الحقوق المدنية: “في كل دورة انتخابية نرى تجاوزات على حقوق ذوي الإعاقة، هناك فراغ تشريعي يسمح باستغلالهم تحت مسمى المساعدة”. 

في أحد المراكز الانتخابية ببغداد، وصل علاء، وهو شاب يستخدم كرسياً متحركاً، إلى المركز الانتخابي، لكن القاعة المخصصة له كانت في الطابق الثاني، فسأل أحد الموظفين إن كان بإمكانه التصويت في الطابق السفلي، ولكن الموظف رفض وقال له: “خابر أحد من البيت حتى يجي يصعدك”. 

ويضيف علاء لجمّار: “رجعت للبيت، متفهمني شسوي بالتصويت، يعني القانون يخليني أشارك بس ما يسهلي الطريق”. 

منظمة هيومن رايتس ووتش، وثقت في تقريرها “لا أحد يمثلنا”، عام 2021، تقصير الدولة العراقية في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين مشاركة متكافئة لذوي الإعاقة، مثل توفير مواد انتخابية بلغة برايل، أو ضمان سهولة الوصول إلى مراكز التصويت، أو حتى توعية ذوي الإعاقة بحقوقهم السياسية، كما لفتت إلى أن العديد منهم يُحرمون من حقهم في التصويت بسبب الحواجز البيئية والإجرائية، واعتبرت هذا الإهمال انتهاكاً للقوانين الدولية الخاصة بذوي الإعاقة. 

انضم العراق عام 2013 إلى الاتفاقية الدولية لحقوق ذوي الإعاقة CRPD، التي تنص في المادة 29 على “حق ذوي الإعاقة في المشاركة السياسية، وضمان وصولهم إلى الانتخابات على قدم المساواة مع الآخرين”.