الراضعون من صدر الهيبة: الأغنية السياسية من السواتر إلى القوائم الانتخابية  

أحمد علي / 10 تشرين الثاني 2025

منذ زمن حزب البعث وصدام حسين وحتى اليوم، كان الغناء مرآة شديدة الوضوح لتحولات السلطة والمجتمع، بدءاً من أهازيج الحرب والأغاني التي تمجد القائد، إلى أغاني الحملات الانتخابية والمقاطعة، لقد تماهى الصوت مع الخطاب السياسي حتى تلاشت الحدود بين الفن والدعاية، وصار الغناء أداةً للنفوذ مثلما كان في يوم ما أداة للعاطفة.


لم تكن الحرب العراقية الإيرانية مجرد مواجهة عسكرية طويلة امتدت لثماني سنوات؛ فقد كانت أيضاً مختبراً لصناعة خطاب فنيّ جديد، فرض على الأغنية العراقية أن تتحول من التعبير العاطفي أو الوجداني أو الجمالي إلى أداة تعبئة سياسية.

  

في تلك السنوات، وُلدت ظاهرة غير مألوفة في الغناء العراقي، إلا في استثناءات محدودة، كالأغاني التي مجّدت عبد الكريم قاسم عقب انقلاب 1958، مثل أغنية ناظم الغزالي الشهيرة “للشعب تسلَّم”. 

لكن في الثمانينيات، اتخذت الظاهرة بُعداً مؤسسياً وعسكرياً، فالغناء كان يسبّح باسم السلطة ويُقدّس صورة “القائد” في المخيال الشعبي، حتى صارت معظم الأغاني تستدعي اسم صدام حسين في السلم والحرب والحياة، وكأنه ختم إلزاميّ على النصّ الموسيقي، وقد كان كذلك بالفعل. 

بعض الفنانين أدّوا هذا الدور تحت ضغط الخوف والرقابة، وآخرون بدافع الامتيازات التي يمنحها المديح في الدولة التي حوّلت الفن إلى مؤشر ولاء للسلطة. 

توالت بعدها الألحان التعبوية للحرب، مع مطربين آخرين مثل داوُد القيسي، وابتسام جاسم وغيرهما، وعلى الرغم من أن قحطان العطار، المطرب الواجهة، والشاب الجميل، والصوت الصاعد، غنّى أولى أغاني الحرب العراقية، وهي “عراقيين“، و”يا حلاة الانتصار“، و”راح ألبس هدوم الجيش”، إلا أنه لم يحتمل هذا الضغط الذي ولدته السلطة على الفن، وفي مطلع 1982 غادر العراق رافضاً أن يكون تعبوياً في جوقة القائد. 

من الجدير بالذكر في هذا السياق ذكر فنانين وفنانات رفضوا أن يكونوا تعبويين، حتى قبل الحرب العراقية الإيرانية، وغادروا العراق إلى الشتات، منهم كوكب حمزة، وسامي كمال، وفؤاد سالم، وكمال السيد، وفلاح الصبار، وشوقية العطار، وزوجها حميد البصري.  

مع نهاية الحرب وبداية التسعينيات، ترسّخت هذه البنية الخطابية في وعي الجمهور، فصار الغناء جزءاً من آلة الدعاية التي تعيد إنتاج صورة الديكتاتور.  

السقوط  

بعد سقوط النظام عام 2003، بدا أن الأغنية العراقية تحررت من عبء السلطة، غير أن هذا التحرر لم يكن سوى انتقال من تمجيد الزعيم الواحد إلى تمجيد الزعماء المتعدّدين.  

بقيت الصيغة ذاتها وإن تغيّر المحتوى، ظلّ المديح هو الهيكل الصوتي الذي يرقص داخله الغناء، من الأهازيج الشعبية (الهوسة) إلى الأغاني الانتخابية، ومن تمجيد صدام إلى تمجيد “الآباء الصغار” الذين تشظّى بهم العراق على صورة كِسَرٍ حادة من مرآة الديكتاتور الكبيرة. 

بعد 2003، أعادت الأغنية إنتاج الوظيفة القديمة، ولكن بزي جديد وكلمات مختلفة، صار مطربو الموجة الحديثة، مثل نصرت البدر، ونور الزين، وحسام الرسام، يؤدّون الدور نفسه الذي أدّاه فنانو الثمانينيات، ولكن بسرديات مختلفة، أما نجوم الجيل التسعيني، مثل عبد فلك ومحمد عبد الجبار، فتحوّلوا من الغناء لعدي والأب والثورة إلى الغناء للعملية السياسية الجديدة، متمثلةً بأسماء قادة الأحزاب والكتل السياسية. 

يُسجَّل لائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، أنه كان أول من فتح باب الترويج الانتخابي بالطريقة الكلاسيكية المفضلة عند السلطة، وهي الأغنية، كما تشير تواريخ تسجيل الأغاني السياسية في أرشيف تلك المرحلة.  

هكذا تواصلت سلاسل توريد المديح في الغناء العراقي، متحوّلة من صوت للنظام الواحد إلى فرقة موسيقية متاحة لكل حكومة أو حزب أو كتلة سياسية تدفع تكاليف الإنتاج والأرباح. 

الراضعون من صدر الهيبة 

مع كل دورة انتخابية تتغيّر ملامح الدعاية السياسية والانتخابية في العراق، ففي البدايات كانت الأغنية الانتخابية متواضعة، تفتقر إلى الهندسة الصوتية الجيدة، وتكون أحياناً بلا اسم الشاعر أو ملحن الأغنية، فالتركيز كان على الجهة السياسية لكي تُعرف وتنتشر من خلال الأغنية.  

أوضح الأمثلة على نموذج تلك الفترة أغنية عبد فلك الشهيرة “كلنا وياك يا أبو إسراء”، التي أُطلقت عام 2010، ضمن حملة ائتلاف دولة القانون، كأول محاولة لاستخدام الغناء في الترويج لزعيم سياسي بعد 2003. 

فيما بعد تحوّلت الأغنية الانتخابية، والسياسية بشكل عام، إلى منتج بصري احترافي، تُنفّذ بإشراف مخرج ومصورين وكادر إنتاج متكامل، وتُعرض على الشاشات كأنها فيديو كليب تجاري. 

صار حضور الأسماء على الشاشة جزءاً من الدعاية نفسها، الشاعر والملحن والمخرج والمطرب والمرشّح، جميعهم يتقاسمون الضوء والانتشار، لم يعد الفنان يغني عن السياسي، بل معه. 

في هذا المناخ الجديد برزت شركات الإنتاج، مثل ميوزك الريماس”، المنتج الكبير في هذا الاقتصاد الغنائي، وصارت الأغنية السياسية “براند”، تُنتَج حسب الطلب، كما تُنتج أغاني الحبّ أو الإعلانات اليومية للمنتجات الاستهلاكية. 

محمد عبد الجبار، ونور الزين، ونصرت البدر، وغيرهم باتوا يملكون سجلّاً انتخابياً لا يقلّ عن سجلّهم الغنائي، وفي مقدمتهم عبد الجبار، الذي أصبح ظاهرة في الأغنية الانتخابية، ينتقل بين التحالفات والمرشحين. 

غنّى “راعي الهيبة” لمحمد الحلبوسي، و”تاج المراجل” لإسماعيل الهلوب، و”جنابي يا أبو الهدّات” لزياد الجنابي، وغيرها من الأغاني التي تحوّلت إلى أغان جاهزة مثل إعلانات الشركات.  

وفي أغلب الأغاني السياسية والانتخابية هناك بصمات للشاعر الغنائي ضياء الميالي، والملحن علي صابر، وكذلك علي بدر، فهؤلاء نجوم ومشاهير في الأغنية العراقية الجديدة، التي شكّلت حضوراً عربياً لافتاً في السنوات الأخيرة، وهذا ما يفتح عليهم باب النقد والأسئلة، فما حاجة فنان مهم مثل محمد عبد الجبار، أو شاعر مثل ضياء الميالي، أو ملحن ومغنٍّ مثل علي صابر، لإنتاج أغنيات رديئة؟ 

في أغنية منتجة لصالح “ائتلاف الوطنية”، قدّمها نور الزين، يبدو المشهد كما لو أن السياسة استعارت مفردات الحب والغرام، يعترف الزين ألا أحد يستحق صوته غير إياد علاوي، “إنتَ التستاهل صوتي.. يمرجّع زودي وقوتي”، الأغنية من كلمات قصي عيسى، وهو شاعر لا يقل شهرةً وتأثيراً عن ضياء الميالي. 

يحوّل الزين الخطاب الانتخابي إلى خطاب شخصيّ، كأنه لا يبايع حزباً، بل يعاهد رجلاً، وأدواته هي اللغة الوجدانية التي تُذكّر بمناخ الأغاني العاطفية أكثر مما تذكّر بالرؤية السياسية لرئيس الوزراء الأسبق، إياد علاوي، ولكن هنا يقفز سؤال غير بريء، لو سألنا إياد علاوي عن هذه الأغنية، ماذا سيقول لنا؟ ربما سيقول “والله ما أدري”. 

في أغنية “كلك خير يا أبو الخير”، التي قدّمها حيدر الجابري لتحالف دولة القانون، لا يترك المطرب للمستمع فرصة لالتقاط أنفاسه بعد المطلع الحماسي، “صاعد تظل صاعد.. يالمالكي صاعد”. 

الجملة وحدها تختصر وظيفة الأغنية، الصعود كقدر سياسي لا كنتيجة انتخابية تعتمد على الأصوات التي سيحصل عليها، الجابري لا يغني هنا بقدر ما يلقّن، يكرّر خطاب السلطة الذي يرى في استمرارها ضرورة وطنية، وفي معارضتها جحوداً لجهود أبي إسراء الأبوية في حفظ العراق من المؤامرات الخارجية والداخلية. 

“ها تحجون! ما تحجون! نذكركم إذا تنسون؟ بلد تايه كبل جم عام.. رد بدولة القانون”، 
هنا يتحوّل الجابري إلى معلّم يحمل عصا الوعظ والتهديد، فالأغنية توبيخ جماعي للعراقيين، تريد تذكير الناس بفضل المالكي كما لو أن السياسة دين والناخب مدين. الأغنية لا تكتفي بالمديح، بل تنتقل إلى إنتاج شعور بالذنب الشعبي تجاه الزعيم، الذي هو الآن “مختار العصر”، واستدعاء الولاء بوصفه ردّاً للجميل. 

في دورة 2025 الجديدة، عاد الجابري ليغني للمالكي من جديد، وبأغنية جديدة عنوانها، “راجعلنا الرقم الأصعب“، لكنه لم يُعيّر بها الشعب هذه المرة، لأنها طريقة أثبتت فشلها سابقاً. 

في أغنية “يعرف روحه”، التي قدّمها قاسم السلطان بمشاركة محمد عبد الجبار، تبدأ المفارقة من المشهد الأول، فقبل أن تبدأ الأغنية يظهر تنويه في مقدمة الفيديو يقول: “هذه الأغنية غير مقصود بها شخص أو جهة معيّنة، هذه الأغنية موجهة لكل عراقي شريف، يحب العراق والعراقيين”. 

لكن ما إن تبدأ الأغنية حتى ينهار هذا الادعاء، فالأغنية تحولت سريعاً إلى واحدة من أكثر الأعمال استغلالاً في الحملات الانتخابية، تُستخدم كموسيقى تصويرية لمرشحين وسياسيين في كل الاتجاهات، وكأنها بطاقة هوية صوتية لكل من أراد أن يبدو بطلاً في الانتخابات والسياسة. 

تُمنتج الأغنية عادة بلقطات لسياسيّ يتقدّم ببطء وسط الحشود التي تصفق له، أو يمشي بثقة زائدة وهو يرتدي نظارة سوداء، لتكتمل صورة “الرجل القوي” الذي “رضع من صدر الهيبة”، ذلك المقطع الشهير، “الراضع من صدر الهيبة”، صار لازمة انتخابية تُستخدم بلا خجل، بوصفها تأكيداً رمزياً على “الهيبة الوراثية”، و”الشرعية الطبيعية” للزعيم، وكأن البطولة تأتي مع الحليب. 

أغاني المقاطعة 

في المقابل ظهرت أغاني المقاطعين للانتخابات في كل دورة، أو للعملية السياسية برمتها، لم يعد الغناء الانتخابي في العراق حكراً على المدّاحين. 

كانت هذه الظاهرة لافتة لأنها خرجت تحديداً من أوساط دينية شعبية، وبالأخص من جمهور التيار الوطني الشيعي (التيار الصدري)، الذي يرى في المشاركة تواطؤاً مع نظام فاسد لم يعد يمثل إرادة العراقيين. 

من بين هذه الأناشيد والأغاني أغنية “مقاطعون“، للؤي البغدادي وأحمد الشمري، التي لا تكتفي بالدعوة إلى المقاطعة بل تكفّر المنتخب، إذ يصف الشاعر المنتخب بأنه خائن للإمامين الحسين والعباس، “والينتخبهم يطعن بعباس وحسين.. والينتخبهم باع كاعه بالدكاكين”. 

كذلك أغنية “قاطعوهم” لجعفر المطيري، وأخرى له بعنوان “قاطعناهم والعباس“، والكثير من الأناشيد والأغاني التي ظهرت حديثاً، وكان آخرها أغنية محمد السالم، التي تتغزل بالمقاطعة، وتعلن الطاعة والولاء لمقتدى الصدر. 

في أغنية “ابن العراق”، يقدم محمد السالم وضياء الميالي نموذجاً جديداً من الغناء السياسي العراقي، يصعب تصنيفه بدقة، فهي ليست أغنية تمجيد، ولا نشيد احتجاج، بل تقع في منطقة رمادية بين الولاء والخذلان، وبين الانتماء والوهم. 

“نشتري بس اللي يعجبه، ونبيع كل من بايعه”، في هذا المقطع يختصر الشاعر والمغني المرحلة العراقية بعد 2003، إنها مرحلة سياسة السوق، حيث الولاء يُباع ويُشترى، حتى حين يُغنّى للوطن، هذا البيت الشعري يفضح طبيعة العلاقة بين الفن والسياسة والاقتصاد في العراق الحديث؛ فالشاعر الذي كتب عشرات الأغاني الدعائية صار الآن يكتب أغنية عن المقاطعة، تُنتج بلغة السوق نفسها، إنها مقاطعة قابلة للبيع كذلك. 

المفارقة في هذا، هي أنه لا أحد يعرف من موّل هذه الأغاني المقاطِعة، هل كانت مبادرات فردية نابعة من قناعة الفنانين والشعراء واستوديوهات الإنتاج؟ وهل هي المحبة غير المشروطة لأبي هاشم؟ أم أنها من تمويل خفيّ يوازي تمويل دعايات المرشحين؟ 

في الحالتين، تحوّل الغناء السياسي في العراق من أداة تعبئة للسلطة إلى سوق للمصالح والرموز، يتبادل فيه السياسيون والفنانون والمرشحون المنافع والمصالح تحت راية العاطفة الوطنية، حتى صارت الأغنية الانتخابية والمقاطِعة على حد سواء مرآتين لبلد يبحث في الصوت عن الأثر. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بمشاركة